يوشك أن يقرع أبوابنا ضيف كريم، ضيف جاء ليكرمنا على عكس الحال المعتاد، فإن الضيف ينتظر أن يكرمه أهل الدار، إلا أن هذا الضيف لا ينتظر منا كرما ولكن يجعله الله سببا في الإكرام والغفران والعتق من النيران.
هذا الضيف هو شهر رمضان الفضيل، شهر رمضان المبارك، فهلموا عباد الله لاغتنام هذا الموسم الرابح، للتعرض لتلك النفحات الإلهية الطيبة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : « إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها لعل أحدكم أن يصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها» [رواه الطبراني في الأوسط].
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال «التمسوا الخير دهركم كله وتعرضوا لنفحات رحمة الله فان لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده واسألوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم» [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه].
فرمضان هو الشهر الذي يهيئ الله فيه جو العبادة، فصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة» [رواه الترمذي وابن خزيمة والحاكم في المستدرك]
وها نحن في شهر شعبان نستعد لاستقبال شهر رمضان، ولا ننسى أن شهر شعبان شهر مبارك كذلك، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم : «يطلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا مشرك أو مشاحن» [رواه أحمد في مسنده].
في شهر شعبان ترفع الأعمال إلى الله، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الصيام في شهر شعبان حتى سأله الصحابي الجليل أسامة بن زيد فقال : يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان ؟ قال: «ذاك شهر تغفل الناس فيه عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» [رواه أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك].
وقد كان سلفنا الصالح ينشغل برمضان طوال السنة، ومن ذلك ما ورد عن معلّى بن الفضل أنه قال : «كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ! ثم يدعون ستة أشهر أن يتقبل منهم».
وقال يحيى بن أبي كثير: «كان من دعائهم : اللهم سلمني إلى رمضان ، وسلم لي رمضان ، وتسلمه من متقبلاً».
فما السبيل للاستعداد لاستقبال شهر رمضان ؟ يمكننا أن نستعد لاستقبال شهر رمضان بعدة أمور منها : تنظيم اليوم والرجوع إلى تقسيمه إلى يوم وليلة، ومنها التدريب على الصيام، والتلاوة، والقيام وغير ذلك من العبادات والطاعات.
ففي شأن النظام اليومي فشهر رمضان يعود بالمسلم إلى التوقيت الموافق للشرع الشريف، وإلى التقويم السليم لمعايشة اليوم والليلة، إلا أننا لا نشعر بذلك، بل ربما نشعر بالعكس لأننا نعيش أحد عشر شهرا على أن اليوم والليلة وحدة واحدة 24 ساعة، وأن تلك الوحدة تنتهي في الساعة 12 حتى أن الساعات بعد ذلك تعتبر في صباح اليوم الجديد رغم أن الليل ما زال يخيم علينا.
وبدأ هذا التغيير على يد الخديوى إسماعيل حيث غير نمط حياة الإنسان المصرى ، غَيَّر برنامجه اليومى .. غَيَّر التقويم من الهجرى إلى الميلادى .. غَيَّر الساعة من العربى إلى الأفرنجى .. غَيَّر الأزياء .. غَيَّر نمط المعيشة .
ولقد كانت ساعاتنا ساعات غروبية تتسق مع العبادة ، وتنضبط الساعة مع آذان المغرب على الساعة 12 ، فنعرف الساعة الأولى من الليل ، والساعة الثانية من الليل ، والساعة الثالثة من الليل، فعندما نقرأ حديث البخارى ((أن من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح فى الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح فى الساعة الثالثة ، فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح فى الساعة الرابعة ، فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح فى الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر))([1]) يفهمه الناس ، لأنهم يعرفون ما الساعة الأولى، وما الساعة الثانية .
ثم اختلف الحال فى عصر الخديوى إسماعيل فأصبحت الساعة (12) هى وسط النهار ، ومن المعلوم أن اليوم ليس (24) ساعة تماما ، بل يختلف باختلاف الأيام فى السنة ، فهو 24 ساعة و 17 دقيقة ، أو 24 ساعة إلا 17 دقيقة ، لأجل هذه الـ (34) دقيقة يختلف آذان الظهر عندنا الآن ، فنجده يؤذن مرة 11.35 ، ومرة 12.07 ؛ لأن هذه المساحة من الوقت هى التى يختلف فيها اليوم واقعيا على مر السنة .
كان المسلمون يكيفون أنفسهم ومعيشتهم بطريقة تجعل العبادة سهلة ، وتجعل هذه الشعائر التى يقيمونها تنطبق تماما مع النظام اليومى الذى يعيشونه. لم يكن هناك نوع تنافر ولا اضطراب، ولا ضيق ، ولا نوع فوات للصلاة . كانوا ينامون بعد العشاء ويستيقظون قبل الفجر ، كانوا يدركون ما معنى ثلث الليل الأخير الذى يستجيب الله فيه الدعاء ، كان هناك تفاعل مع هذا الدين.
هذا عرض بسيط لا نقف عنده طويلا، لكن هذه اللحظة الفارقة فى تاريخنا : لحظة عصر الخديوى إسماعيل، وبعد هذه اللحظة اختفت معالم اليوم الذي كان يتناسب مع فهم النصوص الشرعية ومسايرة الحضارة الإسلامية.
ورغم اختفاء معالم التوقيت الذي كان يتناسب مع العبادات وفهم النصوص الشرعية إلا أن تلك المعالم تعود في رمضان حيث يفرض نفسه طوال الشهر مما يشعر معه المسلمون في أنحاء الأرض يشعرون بارتباك شديد، وزلزال عنيف في نظام نومهم ويقظتهم، وعملهم وراحتهم.
فرمضان لا يقلب الأمور بل يعدلها، لذا فأول ما يستعد به المسلم لاستقبال شهر رمضان هو أن يحاول أن يعيش نظام اليوم الرمضاني قبله، وذلك لا يتأتى إلا بالصوم والسحور ففيهما العون على ذلك.
والجهاز العصبي للإنسان لا يمكنه أن ينتقل في لحظة من حال إلى حال، وإنما ينبغي التدريب شيئًا فشيئًا حتى ينتقل من نظامه الذي اعتاد عليه من نوم ونشاط وفتور، إلى النظام الآخر الذي سيقدم عليه، وكثير من المسلمين يحاولون مسايرة رمضان في أول أيامه بسبب الدفعة الإيمانية ثم سرعان ما يتنافرون مع نظام اليوم الرمضاني، وذلك لأنهم لم يستعدوا بالشكل الصحيح لذلك الشهر.
ولعل اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم بالإكثار من الصيام في شهر شعبان ييسر على المسلم مهمة الصيام في شهر رمضان ولا يشعر بعناء في تلك العبادة العظيمة، وذلك لأن شعبان شهر يتناسب في المناخ وطول النهار وقصره مع شهر رمضان لأنه الشهر الذي يسبقه مباشرة، فالتعود على الصوم فيه ييسر على المسلم ذلك.
أمر آخر للاستعداد لاستقبال الشهر المعظم، وهو القرآن الكريم ومدارسته وتلاوته ومحاولة ختم المصحف في شهر شعبان، وذلك لتيسير قراءته وختمه في شهر رمضان، فقراءة القرآن عبادة نيرة، تعين المسلم على باقي العبادات في شهر رمضان وغيره، وهي تنير قلب المسلم وتشرح صدره، فلا ينبغي للمسلم أن يتركها ولا يقصرها على رمضان، إلا أنه يزيد منها فيه لاستغلال هذه الدفعة الإيمانية والنفحة الربانية.
صلاة القيام أيضا من الأمور التي ينبغي للمسلم أن يعود نفسه عليها حتى يتمكن من فعله في رمضان بغير عناء وشقاء، وقيام الليل ليست عبادة خاصة بشهر رمضان وحده، إلا أنها تشرع في رمضان في جماعة ويعان فيها المسلم على الخير، وتكون لها كيفية خاصة.
وبمناسبة القيام نريد أن ننبه على ما نعيشه من نزاع سنوي في شهر رمضان المبارك بين بعض المتشددين الذين يريدون حمل الناس على مذهبهم والعوام الذين قد لا يجدوا من ينقذهم من هؤلاء، وسبب هذا الخلاف مسألة «عدد ركعات صلاة التراويح» فأصحاب الصوت العالي يُخَطِّئون الأئمة والأمة بأسرها على مدى القرون الماضية، وينكرون عليهم أيما إنكار ويتهمونهم بالابتداع، ويُحَرمون ما أحل الله إذ قالوا : « لا يجوز الزيادة عن ثمان ركعات في صلاة التراويح ».
والحق أن الأمة أجمعت على أن صلاة التراويح عشرين ركعة من غير الوتر، وثلاث وعشرين ركعة بالوتر، وهو معتمد المذاهب الفقهية الأربعة : الحنفية، والمالكية في المشهور، والشافعية، والحنابلة. وهناك قول نقل عن المالكية خلاف المشهور أنها ست وثلاثين ركعة، ولم تعرف الأمة القول بأن صلاة التروايح ثمان ركعات إلا في هذا الزمن، وسبب وقوعهم في تلك المخالفة الفهم الخاطئ للسنة النبوية، وعدم قدرتهم على الجمع بين الأحاديث، وعدم التفاتهم إلى الإجماع القولي والفعلي من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، فاستشهدوا بحديث عائشة رضي الله عنها حيث قالت: « ما كان رسول الله ﷺ يزيد فى رمضان ولا فى غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلى أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى ثلاثا، قالت عائشة : فقلت يا رسول الله أتنام قبل أن توتر. فقال « يا عائشة، إن عيني تنامان ولا ينام قلبى »([2]).
وهذا الحديث يحكي عن هدي النبي ﷺ في نافلة قيام الليل عمومًا ولم يتعرض إلى صلاة التراويح؛ إذ هي قيام ليل مخصوص بشهر رمضان، وهي سنة نبوية في أصلها عُمرية في كيفيتها، بمعنى أن الأمة صارت على ما سنه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه من تجميع الناس على القيام في رمضان في جميع الليالي، وعلى عدد الركعات التي جمع الناس عليها على أبي بن كعب رضي الله عنه، والنبي ﷺ يقول : «عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ »([3]).
إن لم يكن مستند الأمة فعل سيدنا عمر رضي الله عنه فلِمَ تؤدى التراويح في جماعة في المسجد على إمام واحد ؟! وكأن هؤلاء يأخذون من سنة سيدنا عمر رضي الله عنه جمع الناس على إمام طوال الشهر، وهو ما لم يفعله النبي ﷺ ، ويتركون عدد الركعات ويزعمون أنهم يطبقون سنة ﷺ ، فإن كان هذا صحيحًا، وأنتم لا تلتفوا لفعل سيدنا عمر رضي الله عنه فيجب عليكم أن تصلوا التراويح في البيت، وتتركوا الناس يطبقون دين الله كما ورثوه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ومما ورد في الآثار الصحيحة يبين أن فعل سيدنا عمر رضي الله عنه هو صلاة عشرين ركعة في تراويح رمضان، ما ثبت عن السائب بن يزيد رضي الله عنه حيث قال : « كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة. قال : وكانوا يقرءون بالمئتين، وكانوا يتوكؤن على عصيهم في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه من شده القيام»([4]).
حتى ابن تيمية الذي يعتمده كثير من المتشددين المرجع الوحيد في مسائلهم كان كلامه أهون ويجمع الأمة من كلامهم حيث قال : « شبه ذلك من بعض الوجوه تنازع العلماء في مقدار القيام في رمضان، فإنه قد ثبت أن أبي بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة في قيام رمضان، ويوتر بثلاث. فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة؛ لأنه أقامه بين المهاجرين والأنصار، ولم ينكره منكر. واستحب آخرون : تسعة وثلاثين ركعة؛ بني على أنه عمل أهل المدينة القديم. وقال طائفة : قد ثبت في الصحيح عن عائشة : «أن النبي ﷺ لم يكن يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة. واضطرب قوم في هذا الأصل؛ لما ظنوه من معارضة الحديث الصحيح؛ لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين، وعمل المسلمين. والصواب أن ذلك جميعه حسن»([5]).
أردت التنبيه على هذه المسألة لأمرين الأول أنه كادت أن تموت السنة التي ظلت بين المسلمين طوال القرون الماضية، والثاني حتى لا يشتد المخالف في الإنكار على ما اتفقت عليه الأمة سلفا وخلفا.
ونعود إلى الاستعداد لشهر رمضان فالاستعداد يكون بتنظيم اليوم كما ذكرنا، وبالصوم، وبتلاوة القرآن، وبقيام الليل، ويستحب أن يكون ذلك القيام بعد العشاء حتى يعتاد على تراويح رمضان.
ولا ننسى أن نذكر بأهم ما يعين على ذلك كله ألا وهو ذكر الله عز وجل، وقد ورد الحث على الذكر في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فمن القرآن قوله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة : 152]، وقوله سبحانه : ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ﴾ [الأحزاب : 35]، وقوله عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال : 45]، وقوله سبحانه وتعالى : ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت : 45].
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيحة عامة : « لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ». [رواه أحمد والترمذي وابن ماجة].
فبذكر الله يعان المؤمن على كل ما أراد أن يقبل به على ربه عز وجل، ولا ننسى أن نؤكد على أهمية الإعداد والاستعداد لهذا الشهر الفضيل، وأن ترك هذا الإعداد يعد من النفاق العملي، لكن من أراد تحصيل شيء استعد له، ومن أراد النجاح ذاكر، فمن أراد أن يغتنم هذا الشهر الفضيل أحسن الاستعداد له، ولقد ذم الله أقواما زعموا أنهم أرادوا أمرا ولكنهم ما أعدوا الله فقال تعالى : ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ﴾ [التوبة :46]. نعوذ بالله أن نكون من هؤلاء ورزقنا الله حسن الاستعداد لاستقبال رمضان وكل عام وأنتم بخير.
([1]) الحديث أخرجه البخارى عن أبى هريرة فى كتاب الجمعة ، باب فضل الجمعة (ح 821) ، 1/264، ط المكتبة العصرية - صيدا بيروت .
([2]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج1 ص 385، ومسلم في صحيحه، ج1 ص 509.
([3]) أخرجه أحمد في مسنده، ج 4 ص 126، أخرجه الترمذي في سننه، ج 5 ص 44.
([4]) رواه البيهقي في الكبرى، ج2 ص 492، ومالك في الموطأ، ج 1 ص 114.
لله سبحانه وتعالى صفات كمال، وجمال، وجلال، وتحقق هذه الصفات أسس الإيمان من حب ورجاء وخوف، فالعبد يحب الله لصفات كماله، ويرجوه لصفات جماله، ويخافه لصفات جلاله، والعبد يتخلق بصفات الجمال، ويعلم أن الله يحب أن يرى منه في خلقه وسلوكه تلك الصفات، كما يتعلق بصفات الجلال.
والمؤمن بالعلم، والحلم، والعقل، والعمل، والرفق، واللين، والصبر يحظى الفضائل، ويصل إلى ربه سالما إن شاء الله، فهم أهله ورجاله وأقاربه، فعن النبي صلى الله عليه وسلم : « العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والعقل دليله، والعمل قيمه، والرفق والده، واللين أخوه، والصبر أمير جنوده» [أبو الشيخ في كتاب الثواب وفضائل الأعمال من حديث أنس بسند ضعيف ورواه القضاعي في مسند الشهاب من حديث أبي الدرداء وأبي هريرة وكلاهما ضعيف] وترى في الحديث –مع ذكرنا لضعف سنده على أن الحديث الضعيف يؤخذ به ففي فضائل الأعمال بالشروط المعروفة عند المحدثين- أن أقرب صلة للمؤمن في كل هذه الأخلاق هي الرفق واللين، حيث ذكر فيه أن الرفق والده، واللين أخوه.
والرفق صفة جمال من صفات ربنا سبحانه وتعالى، أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعلم السيدة عائشة ويحثها على التخلق بها، فعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف» [رواه مسلم].
وقد يظن بعض الناس عن طريق الخطأ أنه الله يعطي على العنف أجرا وثوبا، وأن العنف محمودا في شريعة الإسلام، وإنما العنف المذكور في الحديث هو الشدة في مواجهة المعتدين، وذلك على نحو قوله تعالى : ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح :29]، وقوله سبحانه : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة :123]. وقوله سبحانه : ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾ [الإسراء :5].
فعلى اعتبار أن هذه الشدة تطلب في وقت الالتحام في المعارك ردا للعدوان ولا تطلب في غيرها، وهو ما تم توضيحه في مقالات الجهاد في الإسلام، بأنه يكون دفاعا عن المستضعفين، وإقرارا للسلام، ورغم كل ذلك فإن الله يعطي على الرفق أفضل مما يعطيه على هذه الشدة المطلوبة.
فالشدة والبأس لا تطلب من المسلم إلا في أوقات قليلة وهي أوقات الالتحام في المعارك –كما بينا- أما الرفق فهو المطلوب في كل الأوقات، والمطلوب في كل الأشياء، وهو لا يزيد الشيء إذا دخل فيه إلا جمالا وزينة، وإذا خرج منه كان الشيء مشينا غير مستساغ، ولذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لعائشة وهو يعلمها فضل الرفق، فقال : : «يا عائشة ارفقي فإن الرفق لم يكن في شيء قط إلا زانه ولا نزع من شيء قط إلا شانه» [رواه مسلم، وأبو داود واللفظ له]. وقال صلى الله عليه وسلم : (إن الله يحب الرفق في الأمر كله) [رواه البخاري ومسلم].
ولذا من حرمه الله الرفق فلا خير فيه، وهو محروم من كل الخير، لأن الرفق باب الخير، ولذا نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا ذلك فيقول : « من يحرم الرفق يحرم الخير كله» [رواه مسلم]، وأخبر بذلك السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، فقال صلى الله عليه وسلم : « يا عائشة إنه من أعطى حظه من الرفق فقد أعطى حظه من خير الدنيا والآخرة» [رواه أحمد]. وعنه صلى الله عليه وسلم في توصيته للسيدة عائشة رضي الله عنها : « ارفقي فإن الله إذا أراد بأهل بيت كرامة دلهم على باب الرفق» [رواه أحمد].
وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم الرفيق اللين السهل بالنجاة من النيران، فقال صلى الله عليه وسلم : « تدرون من يحرم على النار يوم القيامة كل هين لين سهل قريب حديث تدرون على من تحرم النار على كل هين لين سهل قريب» [رواه الترمذي]، وكان في دعاءه صلى الله عليه وسلم يطلب الرفق لمن رفق بأمته، فكان يقول : « ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به» [رواه مسلم].
حتى في التوغل في الدين، والاستزادة منها أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفق في ذلك، فقال : (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) [أحمد والبيهقي في الشعب].
والرفق هو ثمرة حسن الخلق، وأما العنف فهو ثمرة الغضب والفظاظة والحرص، ويؤكد هذا المعنى الإمام أبو حامد الغزالي -رحمه الله- حيث يقول : «أن الرفق محمود ويضاده العنف والحدة والعنف نتيجة الغضب والفظاظة والرفق واللين نتيجة حسن الخلق والسلامة وقد يكون سبب الحدة الغضب وقد يكون سببها شدة الحرص واستيلاءه بحيث يدهش عن التفكر ويمنع من التثبت فالرفق في الأمور ثمرة لا يثمرها إلا حسن الخلق ولا يحسن الخلق إلا بضبط قوة الغضب وقوة الشهوة وحفظهما على حد الاعتدال ولأجل هذا أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرفق وبالغ فيه» [إحياء علوم الدين].
ولذا ترى العلماء العارفين يبوبون في كتبهم باب الرفق مع حسن الخلق والحياء، وذلك تأكيدا لتلك الصلة التي بين الرفق وبين حسن الخلق والحياء، ولعل الصلة بين الرفق والحياء، هي الخيرية، فذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من يحرم الرفق يحرم الخير كله» [رواه مسلم]. وعن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «الحياء لا يأتي إلا بخير» [متفق عليه]. وفي الحديث «الحياء خير كله ولا يأتي إلا بخير» [رواه مسلم].
إذن فالخيرية من صفات الرفق والحياء، كما أن الحياء هو الباعث على الرفق، وعلى كل خلق سني، فالمعنى الشرعي للحياء : خلق يبعث على اجتناب القبيح من الأفعال والأقوال ، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق.
وبين رسولنا الكريم مكانة الحياء في الإسلام، فيقول صلى الله عليه وسلم : «الحياء من الإيمان ، والإيمان في الجنة ، والبذاءة من الجفاء والجفاء في النار» [صحيح ابن حبان].
وخصه صلى الله عليه وسلم بالذكر ضمن شعب الإيمان بعد ذكر أعلى الشعب وأدناها، وذلك لبيان مكانته، فقال : «الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول : لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان» [متفق عليه]
بل جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم قرين الإيمان، في قلب المسلم، وفي نزعهما من قلبه، فقال صلى الله عليه وسلم : «الحياء والإيمان قرنا جميعا ، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر» [الحاكم في المستدرك، والمصنف لابن أبي شيبة]، وفيه إعلاء لمكانة الحياء في شريعة الإسلام.
فالحيي لا يمكن أن يكون عنيفا، ولا يمكن أن يكون قاسيا غليظ القلب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن هذه الأخلاق بعضها يخدم بعض، ويؤيدها ويساندها.
أما من نزع الرفق والحياء من قلبه فهو مذموم منبوذ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : «أهل النار كل جعظري جواظ مستكبر» [أخرجه الحاكم في المستدرك] وعنه صلى الله عليه وسلم : « إن الله يبغض كل جعظري جواظ سخاب بالأسواق جيفة بالليل حمار بالنهار عالم بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة» [رواه ابن حبان في صحيحه].
فانظر إلى اختيار النبي صلى الله عليه وسلم وهو أفصح العرب لهذه الكلمات الصعبة ليضيق المبنى المعنى، وليمكن نفرة السمع من هذه الألفاظ نفرة النفس منها، ألفاظ صعبة غير مفهومة لعقول الناس تستدعي منك أن تسأل : وما الجواظ ؟ وما الجعظري ؟
فالجواظ هو الجماع المناع، الذي جمع مالا وعدده ولا يريد أن ينفق شيئا منه في سبيل الله، ولا يريد أن يخرج حتى حق الله فيه من الزكاة، وبذلك يكون عنيفا مع مجتمعه، فالعنف ليس قاصرا في القوة والهمجية السلوكية، فعدم الاكتراث بالآخرين يدل على عنف الطبع.
والجعظري قاسي القلب الذي لا يرحم، ولذا فهو حقيق أن لا يرحمه الله سبحانه وتعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ» [ابن أبي شيبة في مصنفه]، فهو شقي بنزع الرحمة من قلبه، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إلَّا مِنْ شَقِيٍّ» [أحمد في مسنده وابن أبي شيبة في مصنفه].
فهذا الصنف القبيح لا يطلب عنده المعروف، وإنما يطلب المعروف من الرحماء، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : «اطلبوا المعروف من رحماء أمتي تعيشوا في أكنافهم، ولا تطلبوه من القاسية قلوبهم فإن اللعنة تنزل عليهم، يا علي، إن الله خلق المعروف وخلق له أهلا، فحببه إليهم وحبب إليهم فعاله، ووجه إليهم طلابه، كما وجه الماء إلى الأرض الجدبة ليحيي به أهلها، وإن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة» [الحاكم في المستدرك].
فالجعظري يتصف بنوع من العنف، والقسوة، ولذا ما ترك الناس تعلم السنة ومعرفة الأخلاق الفاضلة التي حث عليها الشرع الحنيف انتشرت الجعظرية، ووجدنا الناس يتقاتلون، ووجدنا وجوههم مكفهرة لا نور، وجدنا التطرف يخرج باسم الدين، ووجدنا الإرجاف يهد ما يبنيه المخلصون، وحسبنا الله ونعم الوكيل، سيغنينا الله من فضله ورسوله.
وكان الرفق واللين من أخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم، فأثبت ربنا له أنه على خلق عظيم فقال تعالى : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم :4]، ونفى ربنا عنه صلى الله عليه وسلم فظاظة القلب، فقال تعالى : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران : 159].
وأمر ربنا سبحانه وتعالى بالرفق والعفو عمن يحاربوننا ويكرهوننا، فقال تعالى : ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداًّ مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة : 109].
حتى في ذكر جرائم أهل الكتاب في حق كتبهم، وحق دينهم، وحق المسلمين يؤكد ربنا سبحانه وتعالى على الرفق بهم والعفو عنهم فيقول تعالى : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظاًّ مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [المائدة : 13]
ورفق النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الأعرابي الذي قسا عليه، فعن أنس رضي الله عنها قال : «كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية, فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته, ثم قال : يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك , فالتفت إليه وضحك ثم أمر له بعطاء». [متفق عليه].
ونرى في وصية الإمام علي رضي الله تعالى عنه لمالك بن الأشتر عندما ولاه مصر، كل معاني الرفق بجميع الناس دون النظر إلى دينهم، أو لونهم أو غير ذلك، فقال رضي الله عنها : «واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزّلل وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه».
وسبيل الوصول إلى الرفق كظم الغيظ، وعدم إنفاذه، ويعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ويحثنا عليه فيقول : «من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا , وإيمانا , ومن ترك لبس ثوب جمال , وهو يقدر عليه تواضعا كساه الله حلة الكرامة , ومن زوج لله توجه الله تاج الملك» . [رواه أبو داود في سننه].
وقال صلى الله عليه وسلم : : «ما جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد , ما كظمها عبد إلا ملأ الله جوفه إيمانا» [ابن أبي الدنيا].
فكظم الغيظ والحلم سبيل الرفق، والرفق من فضائل الأخلاق، وقد علمنا في الأسطر السابقة فضل الرفق ومكانته في الإسلام، نسأل الله أن يجعلنا من الرحماء الرفقاء، وأن يرفق بنا في أمرنا كله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلا بما سبق من الحديث عن العلم في الإسلام، وكيف تعامل المسلمون مع قضايا العلم والتعلم والعلوم، نؤكد أن العلم في التعريف العربي لا يقتصر على المعنى المترجم لكلمة Science الذي قصر العلم على التجريب فقط؛ وإنما يعني القدر التعييني من المعرفة، وبذلك فهو يفرق بين القطعي والظني ويعلم حدود كل واحد منهما.
فالخلط بين القطعي والظني من مظاهر التفكير المعوج والخلط بين مجال الحس والعقل والنقل وعدم التمييز بينها من مظاهر التفكير المعوج كذلك والسير خبط عشواء من غير اتضاح كيفية الاستفادة من كل المجالات؛ لأنها تمثل الواقع المعيش من مظاهر ذلك التفكير المعوج واحتقار مجال على حساب مجال آخر من مظاهر التفكير المعوج أيضًا.
كما أن العلم التجريبي نفسه تعرض لانتقادات من داخل الحضارة الغربية، لا سيما مع ظهور نظرية الفوضى الخلاقة التي من أساسها أن أي تغير طفيف في بداية الأمر سيتحول إلى اختلاف عظيم غير متوقع عند نهايته لدرجة أن الهواء الناتج من ضربة جناح فراشة في الشرق قد يؤدي إلى إعصار ضخم في الغرب، وهي النظرية التي ظهرت مع عالم الرياضيات الفرنسي هنري بونيكير وهو يحاول حل معضلة (حركة الثلاث أجسام في إطار واحد من الجاذبية) وهي مشكلة رياضية كانت بلا حل طوال قرنين من الزمان، وذلك في أواخر القرن 19 وانضم إلى هذا أن علماء التجريب لم ينجحوا في تفسير كثير من الظواهر رغم تجميعهم لكثير من المعلومات التي لم يستطيعوا الربط بينها من جهة، وعدم قدرتهم على تنبؤ مسارها في المستقبل بقانون واضح من جهة أخرى مما جعلهم يطلقون عليها لفظ العشوائية.
واستمر الحال على ذلك حتى النصف الثاني من القرن العشرين حيث بدأت الرؤية تختلف لدى العديد من العلماء، فوصل بهم اليقين بعجز القانون النظامي بتفسير العديد من الظواهر المحيطة بهم ولعل أهمها ظاهرة النمو البيولوجي للسكان والذي فشلت جميع النظريات الحديثة في التوقع بنسبة نموه، ويعد جهاز الكمبيوتر هو العامل المساعد على تطور هذا المذهب وانتشاره خلال النصف الثاني من القرن العشرين وخصوصا من خلال إطاره الرياضي بعدما ظل الجانب الفيزيائي هو المسيطر عليه طوال النصف الأول من القرن.
ثم انتقلت نظرية الفوضى من الفيزيا إلى الأرصاد إلى بورصة المال إلى السياسة وأثرت في مذاهب الفن والموسيقى والآداب. وهذه النظرية تكر على ما استقر في المعرفة التقليدية عندهم من حتمية السببية أي أن العلاقة بين السبب والمسبب حتمية.
والمسلمون في حضارتهم يحترمون العلاقة بين السبب والمسبب ويرون أنه تحدث في أغلب الأحيان، فما اعترافهم بأنها علاقة غير حتمية، إلا أنها الترابط بينها في الظاهر له اعتباره في التفكير ورسم الخطط. ولذا ترى المسلمون تمكنوا من الوقوف في الوسط الرشيد بين من ذهب إلى حتمية العلاقة بين السبب والمسبب، ومن ذهب لعدم وجود أي علاقة وأنها محض عشوائية.
فالقواعد التي بنى عليها المسلمون فكرهم ترى الأشياء على ما هي عليه وترى حكمة الله وراء كل شيء فهناك نظام مطرد وهناك تنوع مقدر من الله، وهذا التنوع وراءه حكمة وهذه هي الحيرة التي نراها في كلامهم مرة يعبرون عنها بالعشوائية ومرة بالفوضى ومرة بأن هناك قانونًا وراء هذه العشوائية وتلك الفوضى. ولو سار البحث تحت القواعد السابقة واختار ألفاظه لتوصل إلى مزيد من معرفة أسرار الله في كونه المسخر لبني آدم.
ولقد حاول من حاول تقييد العالم في الحرب الإسرائيلية على لبنان أن يصف ما يحدث هناك بأنه فوضى خلاقة، فالفوضى لا تأتي بالنظام الذي يعرفه البشر ويرتب عليه مصالحهم أبدا، إن هذه الفوضى المذمومة التي روجوا لها، فوضى تؤدي إلى الإفساد والخراب والهلاك ، وقلة الأدب والهذيان بدعوى أن الفوضى نظام الكون أو كما يقول (جيم موريسون) : (أنا اهتم بأي شيء يتعلق بالثورة، باللانظام، وبالفوضى وخاصة الأنشطة التي لا تحمل أي معنى، فهذا كما أعتقد الطريق المباشر إلى الحرية). وهو أحد أشهر مغني الروك الأمريكي وقد وجدوه مقتولاً في حوض استحمام بباريس. إن هذا التوجه هو الأقل وجودًا والأقل صوتا حتى الآن، ولكنها من دعاوى العصر الجديد New age الذي ما زال عقلاء البشر يرفضونه بالرغم مما فيه شهوات.
ولقد تكدست المعلومات وتفرعت وتشعبت بضخامة وفظاعة غير مسبوقة، فالوكالات الست الكبرى تبث عددا هائلا من المعلومات يوميًا، تبث 120 مليون معلومة يوميًا بين خبر وتحقيق وحديث صحفي وتقرير ..
فثورة المعلومات والمعلوماتية فاقت كل تصور وبنوك المعلومات في العالم تحاول المتابعة، لا سيما ما ظهر من آثارها في السنوات الماضية بما يسمى مشكلة تفجر المعلومات (Information Explosion) حيث يتراوح معدل النمو السنوي للإنتاج الفكري ما بين 4% : 8%, ولمحاولة تصور كمية المعلومات التي تنتج في العالم، نأخذ مثالاً لدورية واحدة في فروع الكيمياء مثلا وهى (Chemical Abstracts) التي تصدر في الولايات المتحدة الأمريكية, وتغطى هذه الدورية معظم ما ينشر من الدوريات العلمية المهمة في مجال الكيمياء فقط.
صدرت هذه الدورية عام 1907, واستكملت المليون بحث الأولى بعد واحد وثلاثين سنة. ثم بلغت المليون بحث الثانية في ثماني عشرة سنة, ورصدت المليون بحث الثالثة في سبع سنوات, أما المليون الرابعة فقد رصدتها خلال أربع سنوات فقط. وبصورة عامة فإن كمية المعلومات تتضاعف كل اثنتي عشرة سنة, وقد تطور حجم الإنتاج الفكري المنشور في الدوريات، وهى واحدة فقط من أشكال عديدة للنشر من مائة دورية في عام 1800 إلى أكثر من 70 ألف دورية في عقد الثمانينيات.
وكان من أسباب تفجر المعلومات زيادة حجم التخصص المعرفي، واتجه الباحثون إلى ما يعرف بالتخصصات الدقيقة، فتخصص الطب مثلاً، ينقسم إلى طب القلب، والمخ والأعصاب، ... وفي تخصص قسم الطب، هناك تخصص الشرايين، وجراحات القلب المفتوح، وداخل كل تخصص يتم بحث مسائل في غاية التدقيق، مما يشعب ويضخم حجم الإنتاج العلمي في كافة المجالات، مما يجعل عملية متابعة التطورات والإنجازات العلمية وما انتهى إليه العلم البشري عملية مستحيلة في العادة.
وتشير الإحصاءات إلى أن الإنتاج السنوي من المعلومات في مجال البحوث العلمية مقدر بعدد الوثائق المنشورة يصل ما بين 12: 14 مليون وثيقة, وأن عدد الأشخاص الذين يساهمون في هذا الإنتاج بشكل أو بآخر يتراوح ما بين 30 : 35 مليون شخص, وقد بلغ رصيد الدوريات على المستوى الدولي ما يقرب من مليون دورية, يضاف إليها كل عام ما يقرب من 15 ألف دورية جديدة, أما الكتب فقد بلغ الإنتاج الدولي منها حوالي 600 ألف عنوان أي بمعدل 1650 كتابًا في اليوم, أو 70 كتابًا في الساعة.
لذلك كله يجب أن يدرب الإنسان نفسه على استخلاص النافع من هذا الخضم الهائل من المعلومات، وكيفية التعامل معها. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمس فيه علما، سهل الله له طريقًا إلى الجنة) [رواه البخاري ومسلم]، وما ينبغي أن يكون عليه المؤمن يتجلى فيما روي عن وهب بن منبه من حكمة آل داود : (على العاقل أن يكون عالمًا بزمانه، ممسكا للسانه، مقبلا على شأنه) [البيهقي في شعب الإيمان]
قيمة مهمة في حياة المسلمين العلمية، وهي قيمة «والله أعلم» وهي كلمة حكيمة تدل على أمور منها : أنه يعلن أن علمه محدود وأن حواسه التي تتلقى الواقع من حوله محدودة، وأن الدماغ الذي هو محل التفكير وأداته محدود كذلك، ومعنى هذا أنه مع اجتهاده وتعامله مع الواقع وبحثه يعترف بأنه محدود، ويبدو أن الذات لا تتضخم حينئذ ولا يغتر الإنسان بما قد توصل إليه، ويترك فرصة كبيرة من ورائه لقضايا القطع واليقين والجزم في مقابلة قضايا الظن.
ومن حكمة هذه المقالة أيضا أن ذلك العالم عنده استعداد لتغير ما قد يكون قد أخطأ فيه وأنه يرجع عنه فورًا إذا ما تبين له الحق بالبرهان، وأنه يعلن أن العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة، ولذلك فإنه لا يحترق أبدًا كما ذهب إليه بعضهم، ومن حكمة هذه المقالة أيضا أنه يُرجع العلم إلى أهله؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي علم الإنسان ما لم يعلم كما في قوله تعالى : (علم الإنسان ما لم يعلم) [العلق :5]، وفي قوله تعالى : (وقل ربي زدني علما) [طه :114]، وفي قوله تعالى : (واتقوا الله ويعلمكم الله) [البقرة :282]، بل في أصل الخلقة حيث يقول : (وعلم آدم الأسماء كلها) [البقرة :31].
ورد العلم إلى الله يفيد فائدتين عظيمتين : الأولى : مستوى التفكير المستنير الذي يربط ظواهر الحياة بحقائقها، وهي أن هذه الدنيا مخلوقة لخالق وأن الله سبحانه وتعالى، لم يدعنا بعد ما خلقنا عبثا، وذلك قال تعالى : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ) [المؤمنون :115] والفائدة الثانية : فائدة نفسية ترجع إلى العالم نفسه الذي يزداد تواضعًا لله كلما ازداد علمه، والذي يعلم عن يقين معنى قوله تعالى : (وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ) [يوسف :76]، ومعنى قوله تعالى : (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا) [الإسراء :85]، ومن الحكم أيضًا لهذه المقولة العظيمة أن العالم يترك مساحة للبحث بعده من غيره من العلماء
3- وهذه المعاني السامية التي أحاطت بقول العلماء (الله أعلم) قد تجاوزها كثير من المتصدرين بغير علم فيما لا يعنيهم، والذين نصحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (من حسن إسلام المرء تركه ملا يعنيه) [أحمد ومالك في الموطأ، وابن حبان في صحيحه] فترى هؤلاء يتصدرون لكل أنواع المعرفة من غير علم، ويظنون أنهم إذا أنهوا كلامهم بقولهم (والله أعلم) قد نجاهم ذلك من المسئولية، ومن الحساب أمام الله، والأمر ليس كذلك، بل إن الله سبحانه وتعالى أرشدنا إلى مسئولية الكلمة، وإلى أهميتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (المستشار مؤتمن) [الترمذي والدارمي]، وقال أيضا : (من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه) [الحاكم في المستدرك].
والعلم الشرعي منه ما يتعلق بالأبدان ومنه ما يتعلق بالجنان، منه ما يتعلق بالظاهر ومنه ما يتعلق بالباطن، أما ما كان ظاهرا فمرده إلى شرع الله من أمر ونهي، وما كان متعلقا بالباطن فمنه معاملة ومنه مكاشفة، فالمعاملة هي تخلية القلب من القبيح وتحليه بالصحيح فتخليه من أمراض الفسق والحقد والحسد وتحليه بالتواضع والتوبة وأنوار الذكر.
فهذا العلم الذي لا يقف عند السطح ولا يكتفي بالأعماق بل يستنير بنور الله، فإذا سعينا لهذه الدرجة ومن الله علينا بها يصل العابد العارف بالله إلى علم المكاشفة حيث يذوق حلاوة الإيمان ويدخل في قلبه نور الإحسان، فلا يخرج منه أبدا وتتلألأ تلك المعاني في قلب الإنسان فيعبد ربه من غير تكليف يعبد ربه باشتياق إليه، وينظر إلى الكون من خلاله سبحانه، فلا يعتدي ، وينشر السلام والاستقرار في العالم.
فينبغي على المسلمين أن يملئوا عقولهم بالعلم المحمدي، وقلوبهم بالأنوار من ذكر رب العالمين، ويتعلموا ذلك بالتقوى حتى يصدق عليهم قوله تعالى : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة :282].
فعلينا أن نعود إلى مصدر قوتنا، وإلى القراءة الصحيحة في الكون والقرآن، هذا قبل الفوت وقبل الموت، فمع المحبرة إلى المقبرة، فتحصيل العلم منهج حياة مستمر لا يقال : أن أحدًا قد أحاط به وكلمة قالها الإمام أحمد أو هي منسوبة إليه (العلم من المهد إلى اللحد) لها قيمتها اليوم وغدا، ومعناها ومبناها جميل، أما المعنى فإن الإنسان يطلب العلم، وينبغي له أن يطلبه من المهد إلى اللحد لا يكل ولا يمل، يتخذ كل الوسائل المشروعة سعيا وراء تحصيل العلم، كل علم، العلم اليقيني والعلم الظني العلم في نسيجه المتكامل، والعمل في صورة معلومات وفي هذا الشعار وضع الإنسان في مكانه الصحيح حيث أنه محتاج إلى غيره، وأن حياته قاصرة عن استيعاب المعلومات وأن الواجبات أكبر من الأوقات وأن فوق كل ذي علم عليم.
فليست هناك أمة أعلت من شأن العلم كما أعلت أمة الإسلام، وليست هناك أمة ترقت في مدارج المعرفة كما ترقى أمة الإسلام حتى وصلنا إلى آخر الزمان ففر الناس من الدين فراراهم من الأسد، وخرجوا من التدين، وخرجوا من العلم وخرجوا من منظومة التقدم في الدنيا والدين أعادنا الله إلى مكانتنا آمين.
حضارة المسلمين عنوان الشرف والقيم بين الحضارات المختلفة، فضربت الحضارة الإسلامية أروع الأمثلة التي تحتذى في جميع النواحي العسكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية. حيث اتسم الانتشار الإسلامي بسمات لا ينكرها كل منصف، فما قام المسلمون بإبادة الشعوب، وعاملوا العبيد معاملة راقية وشهد تاريخهم تحريرًا كبيرا للعبيد، ومن بقي منهم لم يحرر قاموا بتعليمهم وتدريبهم وتوليتهم الحكم في فترة اشتهرت في التاريخ الإسلامي بعصر المماليك.
كما تميز الانتشار الإسلامي بالإبقاء على التعددية الدينية من يهود ونصارى ومجوس حيث نجد الهندوكية على ما هي عليه وأديان جنوب شرق آسيا كذلك، وإقرار الحرية الفكرية فلم يعهد أنهم نصبوا محاكم تفتيش لأي من أصحاب الآراء المخالفة، كما اتسمت الحضارة الإسلامية بالعدل في توزيع ثروات الدول التي دخلها الإسلام، فقد ظل إقليم الحجاز مصدر الدعوة الإسلامية فقيرًا حتى اكتشاف البترول في العصر الحديث، ولم تجلب ثروات الدول التي دخلها الإسلام إلى عاصمة الخلافة الإسلامية كما فعلت الدول الاستعمارية بعد ذلك.
كان مفتي الأمصار الشيخ أبو السعود صاحب التفسير المشهور رحمه الله تعالى من عمد الحنفية في الأرض، وكان رضي الله عنه كلما دخل السلطان بلدا من بلاد غير المسلمين فأسلم بعضهم وبقي الآخرون على دينهم وضع لتلك البلاد قوانين على حسب الشرع الشريف تتناسب مع أعرافهم ومع واقعهم ومع ما جرت عليه العادة في بلادهم.
فكان ما يضعه العلامة أبو السعود نبراسا هاديا من ذلك العلم الذي تبناه المسلمون علم القرآن وعلم الأكوان، وكيف نطبق بينهما.
فحضارة المسلمين قامت على العلم، ووضع المسلمون الأوائل علوما خادمة لمحور حضارتهم وهو النص الشريف، التزموا بهذا المحور وخدموه وانطلقوا منه وجعلوه معيارا للقبول والرد والتقويم، وأخذ المسلمون يخترعون العلوم اختراعا، وينقلون منها عن الأمم السابقة ما يمكِّنهم من فهم الحقيقة، وإدراك الواقع ونفس الأمر، ويصنفونها ويبلغونها لمن بعدهم، ولمن بجاورهم، ورأينا عصر الترجمة في عهد المأمون، ورأينا البيروني في كتابه (تحقيق ما للهند من مقولة ممدوحة في العقل أو مرذولة)، ورأينا الخوارزمي في كتابه (مفتاح العلوم) وهو الذي يرسم لنا الذهنية العلمية في التاريخ الإسلامي ويرصد ذلك التنوع من ناحية، والتفاعل من ناحية أخرى، وهما الصفتان المجمع عليهما لكل من اطلع على التراث الإسلامي ونتاجه الفكري.
كما كان توليد العلوم سمة أصحاب ذلك الدين حتى القرن الرابع الهجري، بل امتد ذلك التوليد إلى القرن السادس؛ حيث وضع عضد الدين الإيجي علما جديداً أسماه بعلم (الوضع) استله من علم اللغة، والنحو والأصول والمنطق عالج فيه ـ أهم ما عالج ـ قضية المصطلح التي تعد من أهم القضايا العلمية حتى يومنا هذا، حيث تعد ضابطا علميا للحفاظ على لغة العلم والتفاهم بين الجماعة العلمية بما يضمن أمرين مهمين : أولهما : هو نقل العلم لمن بعدنا. وثانيهما : هو تطوير العلم بصورة مطردة ومستمرة ومنضبطة في نفس الوقت، ثم خبا هذا التوليد وانشغل العلماء بتكرار الموروث والحفاظ عليه من الضياع كرد فعل لما حدث في القرن السابع من غزو التتار وسقوط بغداد 656 هـ.
أمرنا الله بقراءتين لا بقراءة واحدة، فترك المسلمون القراءة التي توصلهم إلى الله وتركوا تلك القراءة التي توصلهم إلى الشرع الشريف ففاز عليهم الأعداء وتقدم عليهم خصومهم، وتمكن منهم أولئك الذين لا يعبدون الله ولا يرجون اليوم الآخر الذين تسببوا في ملأ الأرض بالفساد والضلال المبين
وقضية القراءتين مبنية على أن مصادر معرفتنا هي : الوحي والكون معا، وأن الوحي هو كتاب الله المسطور، والكون هو كتاب الله المنظور، وكلاهما قد صدر عن الله تعالى هذا عالم الخلق وهو الكون، وذلك عالم الأمر وهو الوحي، ولذلك لا تناقض بينهما، فهما مصدران من مصادر المعرفة لدى المسلم، وقد أشار الكتاب العزيز إلى هذين المصدرين فقال تعالى : ﴿أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾ [الأعراف :54].
إن عالم الأشياء له واقع مدرك بالحس المعتاد، وله حقيقة يدركها الإنسان بالمجهر، ويبني عليها أحكامه ومنهجه وهو المنهج التجريبي الذي ارتضاه المسلمون ثم انتقل إلى العالم كله دون نكير من العقلاء، الذين تحرروا من عقلية الخرافة، وتمسكوا بالعلم والواقع، إلا أن بعضهم قد اقتصر عليه، ولم يربطه بالله سبحانه، فصار فكره عميقًا ولكنه ليس مستنيرًا، بل إنه دون أن يشعر أنكر جزء من الحقيقة هو أهم ما فيها، وهو إيمانه نفسه بخالق الأكوان.
ويمكن أن نعرف الواقع بأنه ما أدركه الإنسان بحسه المعتاد، وهو بهذا المشترك بين آدم والرجل المعاصر. في حين أن نفس الأمر المتعلق بحقائق الأشياء يختلف إدراك الإنسان له عبر الزمان، وحسب كم المعلومات التي لديه، ويكتشفه الإنسان عن طريق الآلة (المجهر مثلاً) شيئًا فشيئًا، فالبشر ترى الشمس تسير في السماء، في حين أن نفس الأمر أنها ثابتة، والأرض هي التي تدور.
ونفس الأمر أن الماء مكون من غاز يشتعل، وآخر يساعد على الاشتعال، فهو نار الله الموقدة، وأن الهيدروجين مكون من نواة وإلكترون واحد، وأن شحنة الإليكترون سالبة، والواقع أنه شراب لطيف عليه حياة الإنسان. فكل يوم -وليس بصورة عامة في الزمان والمكان والأشخاص- يدرك الإنسان حقيقة جديدة قد تخالف، أو تزيد من الواقع.
فإذا كان الأمر كذلك، فإن النصوص الشرعية ينبغي أن تتعلق في خطابها العام للكافة بالواقع بصورة أصلية، ولا تتعلق بنفس الأمر إلا بصورة ثانوية، وأظن أن هذا الفهم يحل «مشكلة العلم والدين»، التي نشأت من صدام النصوص المحرفة للوحي في الغرب مع الحقائق المتتالية المدركة بالتجربة والحس، أي : مشكلة «العلم والدين» كما سميت.
بل قد يحل هذا المدخل -عند عرضه بتوسع- المشكلة بين الفقهاء، والصوفية الذي يتكلمون عن الحقيقة ومخالفتها للشريعة، ومحاولة التوفيق بينهما، وهو أمر جدير بالتأمل ومزيد البحث.
فالعلم التجريبي يجب أن نتخذه في ظل مفاهيم واضحة وهي :
(أ) أنه ليس هناك حد للبحث العلمي من أي جهة كانت، فإن الأمر عام ومطلق في شأن تحصيل العلم، وذلك في آيتين حاسمتين الأولى تفيد العموم والأخرى تفيد الإطلاق قال تعالى : (قل سيروا في الأرض فانظروا) [النمل : 69]، فأمر بالسير على عمومه، وبالنظر على عمومه وقال تعالى : (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) [الزمر : 9]، فأطلق العلم ولم يحدد : يعلم ماذا ؟ هل يعلم الكونيات أو الشرعيات أو المفيد أو غير المفيد ؟
(ب) ومن المناسب أن ننبه أن العلم في لغة القرآن هو ذلك الذي يوصل إلى الله تعالى : (إنما يخشى الله من عباده العلماء) [فاطر : 28]، والعلماء جمع عليم، وليس جمع عالم، فجمع عالم عالمون وجمع عليم علماء، مثل حكيم وحكماء، وخبير وخبراء، وفقيه وفقهاء، قال تعالى : (وفوق كل ذي علم عليم) [يوسف : 76].
(ج) لابد أن يلتزم التطبيق العلمي واستعمال العلم في الحياة بالأخلاق والأوامر والنواهي الربانية التي تريد للإنسان حياة سعيدة قوية تؤدي إلى التعمير ولا تؤدي إلى التدمير، تؤدي إلى حرية الإنسان والاختيار ولا تؤدي إلى سلب إرادته والإجبار، تؤدي إلى المساواة بين البشر ولا تؤدي إلى عبادة بعض البشر للبشر، وهيمنة الشمال على الجنوب، والقوي على الضعيف، فلا نتوصل بالاستنساخ أو الجينوم أو الهندسة الوراثية أو التدخل البيولوجي أو علوم الفضاء إلى الفساد الاجتماعي، أو الهيمنة التي تحصل المصالح لبعضهم على حساب الآخرين، أو تؤدي الخريطة الجينية إلى التسلط على الإرادة والتلاعب بالاختيار.
(د) لابد من التخلص من عقلية الخرافة، وهي العقلية التي لا تفرق بين المجالات المختلفة، ولا تقيم الدليل المناسب لإثبات القضية محل النظر، ولا تتبع منهجًا واضحًا محددًا من قبل في التعامل مع الحقائق، ولا تعتمد مصادر للمعرفة، وهذه العقلية الخرافية التي نريد أن نتخلص منها لابد أن يكون ذلك في مجال الحس، ومجال العقل، ومجال الشرع، فهذه المناهج المختلفة التي تدعو إلى الانتحار أو الانبهار أو الاجترار أو الانحسار أو الاغترار منهاج مرفوضة، فمنهج الانتحار الذي يؤدي إلى التكفير المؤدي في نهاية الطريق إلى التدمير والتفجير مرفوض، ومنهج الانبهار بالآخر والتعدي على مصادر الشرع من كل غير متخصص بين الإفراط والتفريط حتى يخرج علينا من ينكر الإجماع، أو يخرج عن مقتضيات اللغة، أو عن هوية الإسلام أو يحول الإسلام إلى لاهوت التحرر أو لاهوت العولمة.
لا نقول إن الإسلام دين العلم فحسب، بل نرى موقفه من البحث العلمي حيث أرى أنه لا حرج ولا قيد مطلقا على البحث العلمي، فليبحث من شاء فيما شاء وليحاول أن يدرك حقيقة العالم كما شاء، ويكشف عن خلق الله في كونه كما يريد، وأن ذلك ضمانة للإبداع وهذا مؤسس على أن الله قد أنزل أول ما أنزل : (اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) [العلق : 1 ـ 4]، وذكر أن القراءة الأولى في الوجود والثانية في الوحي، وأنهما قد صدرا عن الله، الأولى من عالم الخلق، والثانية من عالم الأمر (أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ) [الأعراف : 54] وعلى هذا فلا نهاية لإدراك الكون؛ حيث إنه يمثل الحقيقة، لأنه من عند الله، ولا نهاية لإدراك الوحي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تنتهي عجائبه، ولا يَخلق من كثرة الرد) [رواه الترمذي والدارمي]، وأيضا لا تعارض بينهما حيث إن كلا من عند الله، وهذا التأسيس يتأكد في قوله تعالى على صفة الإطلاق : (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) [الزمر: 9].
إلا أن استعمال المعلومات يجب أن يكون تحت السقف الأخلاقي للتطبيق المأخوذ من مهمة الإنسان في الدنيا : العبادة، والعمارة، والتزكية، هذا السقف الذي يمنع من استعمال ما يوصلنا إليه فيما يخالف الأوامر والنواهي الربانية أو يكر على المقاصد الكلية بالبطلان فنكون بذلك من أهل التعمير؛ لا من أهل التدمير، وهذا السقف للاستعمال من الأهمية القصوى حيث هو الضمان الوحيد لتلك العمارة.
إن الفصل بين حرية البحث للوصول إلى صحيح المعرفة، وبين تقييد الاستعمال للوصول إلى العمارة أمر قد اختلط على كثير من الناس مع وضوحه وتأكده.
ومن الحقائق أيضا أن العلوم لها صورة كلية تتمثل في عملية متكاملة من التعليم لإدراك المعلومات والتربية؛ لإقرار القيم والتدريب لتنمية الملكات، وأن هذا كل لا يتجزأ أو لو تجزأ لفقدنا (دليل التشغيل) إن صح التعبير وفقد دليل التشغيل يوقع في حيرة واضطراب، ويبدو أننا قد فقدنا دليل التشغيل هذا في كثير من جوانب حياتنا ليس العلمية فقط، بل أيضا السياسية والاجتماعية والدينية.
ومن الحقائق أيضا أن هناك فرقا بين علم الدين، وبين التدين فالأول تقوم به جماعة علمية وله مصادره ومنهجه والعملية التعليمية ـ كما أشرنا من قبل ـ لها أركانها التي يجب أن تكتمل بعناصرها الخمسة الطالب والأستاذ والمنهج والكتاب والجو العلمي، أما الثاني وهو التدين فهو مطالب به كل مكلف لتنظيم علاقته مع نفسه وكونه وربه.
ومن الحقائق أيضا أن هناك فرقا بين الفقه والفكر، فالفقه موضوعه (فعل المكلف) ويهتم علم الفقه بوصف أفعال المكلفين بالإقدام عليها أو الإحجام عنها، وأن هذا حلال وهذا حرام بأحكام شرعية خمسة وهي الواجب، والمندوب، والحرام، والمكروه، والمباح. أما الفكر فموضوعه (الواقع المعيش النسبي المركب المتغير) وهذا الفكر يرتب فيه الإنسان أمورا معلومة كمقدمات ليتوصل بها إلى شيء مجهول كنتيجة، والعملية الفكرية هي الجسر الذي بين الشرع والواقع، ولذلك تحتاج إلى علوم تجدد وتولد كل حين حيث إن طبيعة الواقع الذي نريد أن ندركه شديدة التعقيد والتغيير.
فإذا تقرر كل ما سبق فإن التراث الإسلامي وضع ما يسمى بالمبادئ العشرة من أجل أن يطلع عليها طالب العلم؛ ليتشوف للعلم الذي سوف يدرسه، أو ليعرف ما لابد له من معرفته، وهي بذاتها هي العناصر التي يجب الالتفات إليها عند توليد العلوم.
ووضعها بعضهم في صورة نظم يحفظه صغار الطلاب حتى يحدث لهم هذا التشوف الذي انحسر بعد ذلك عند المسلمين في التلقي دون إنشاء العلوم واستمرار الفكر قال :
|
من رام فنا فليقدم أولا |
|
علما بحده وموضع تلا |
|
وواضع ونسبة وما استمد |
|
منه وفضله وحكم معتمد |
|
واسم وما أفاد والمسائل |
|
فتلك عشر للمنى وسائل |
|
وبعضهم فيها على البعض اقتصر |
|
ومن يدري جميعها انتصر |
وهنا يجدر بنا أن ننبه على فارق مهم بين البحث (في) علم ما وبين الكلام (عن) ذات العلم، والفرق بين (في) و (عن) أن (في) تستلزم استكمال العملية التعليمية بعناصرها الخمسة : الطالب، والأستاذ، والكتاب، والمنهج، والجو العلمي، وهي عملية تهتم بالمعرفة وبالقيم وبتربية الملكات، وتحتاج لكي يبرز نتاجها في الواقع إلى التفرغ والتخصص والأدوات وطول الزمان، بالإضافة إلى الاستعدادات الفطرية من الذكاء باعتباره قوة ربط المعلومات والحرص على تلقي العلم الذي يمكن أن نسميه بالهمة، وبذل الجهد المستمر.
ولقد أشار الشافعي منذ القدم إلى هذا مما يبين أن المنهج العلمي لا يختلف في ذاته وإنما قد يتطور في صياغاته حيث قال :
أخي لن تنال العلم إلا بستة ** سأنبيك عن تأويلها ببيان
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة ** وإرشاد أستاذ وطول زمان.
(يتبع)