في تطور حياة المجتمعات الإنسانية في كل زمان ومكان تبرز قضايا جديدة، ونوازل متعددة، تتطلب معالجات وحلولًا تتناسب مع طبيعتها وأثرها في حياة الناس، والاجتهاد هو الوسيلة الوحيدة لإيجاد هذه الحلول، وتقتضيه ضرورات الحياة المعاصرة، وتمليه علينا، وتدعونا إلى أن نمارسه وننهض بأعبائه ونتحمل المسئولية إزاءه من دون أن نخضع لضغط الواقع على حساب التفريط في القواعد العامة للشريعة الإسلامية وثوابتها الراسخة.
فالاجتهاد لا يكون اجتهادًا حقيقيًّا مجديًا ونافعًا ومؤثرًا في حياة المجتمع الإسلامي إلا إذا جرى في دائرة المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية، وانبعث من الإيمان بصلاحية هذه الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان.
لذلك كان الاجتهاد فريضة دينية وضرورة حياتية، فما هو الاجتهاد؟ وما هي أهميته في حياة الأمة؟ وما الاجتهاد الذي نريده لعصرنا؟ ومن هو المجتهد؟ وهل له شروط وضوابط؟ وما الفرق بين الاجتهاد وبين التجديد في الخطاب الديني؟
إذا كان الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، فإن الاختلاف لدى البعض منَّا يتحول في كثير من الأمور إلى خلافات وصراعات واتهامات ومزايدات.
والمستفيد الأول هم أعداؤنا الذين يتربصون بنا ليلًا ونهارًا، ويعملون على تأليب الصراعات الداخلية وبث روح الفتنة والفُرقة بيننا، ولولا الاختلاف في أنماط التفكير وطرح الآراء لما تطور الإنسان، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ضرب لنا المثل الأعلى في فقه الاختلاف وثقافة الاختلاف، فقد كان يستشير أصحابه ويأخذ بآرائهم، والأمثلة على ذلك كثيرة، حتى الأئمة كان اختلافهم في الفروع وليس في الأصول، كان اختلافهم عامل بناء لا عامل هدم، كل منهم كان ينشد الصواب والأفضل حتى ولو ظهر على يد غيره، فكانت آراؤهم ثمرات متعددة كشجرة واحدة هي شجرة الكتاب والسنة، فأين نحن من ثقافة الاختلاف؟ ولماذا غيبت عنَّا، ويتهم بعضنا بعضًا بالبدعة والهلاك والخروج عن ملة الإسلام لمجرد الاختلاف؟
لا يمكن لعاقل أن يغفل واقع الأمة وما تتعرض له من أزمات طاحنة ومحن قاسية، وليس هنا في مجال وصف هذه المحن والمآسي التي تقع هنا وهناك، فما نعانيه من سلبيات وما تراه العين من بشاعة يغني عن الكلام، ونسأل أنفسنا لماذا تخلفنا؟ لماذا سقطنا وارتفع غيرنا، وتأخرنا وتقدم غيرنا؟ ومَن يمعن النظر في واقع الأمة الإسلامية الآن سيتلمس الأسباب، ومَن يبحث عن سبل العلاج للخروج بالأمة من كبوتها سيجد أن الجهل بواقعنا سبب رئيسي من أسباب هذه النكبة وقلة الوعي بمراتب الأعمال وفقه الواقع.
فما هو فقه الواقع؟ وما آلياته؟ وكيف تأخذ الأمة نفسها بفقه الواقع لتواجه السلبيات التي تملأ حياة شعوبها؟