السيرة النبوية كاشفة عن خصائص المصطفى صلى الله عليه وسلم
من أهم ما ميز السيرة النبوية أنها كشفت عن عظمة المصطفى وخصائصه الفريدة التي انتقلت إلى خصائص الأمة والرسالة ذاتها، ومن هذه الخصائص :
أولا : حفظ الكتاب الذي أرسل به :
قال الله تعالى : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر :9]
إن هذه الآية وعد من الله الذي أنزل القرآن والوحي بأن يحفظه، والواقع الذي نعيشه يؤكد أن الوعد قد تم، ويزداد الإعجاز عبر الزمان من كل جهة؛ فإن القرآن لم يحفظ في الخزانات بعيدًا عن الناس، بل حفظه الأطفال بالملايين في كل مكان، وزاد من الإعجاز أن حفظه من لم يتعلم العربية ولم يعرف فيها كلمة واحدة.
وقد تعرض القرآن الكريم لمحاولات التحريف فلم تفلح، ولمحاولات الترجمة الخاطئة السيئة النية فلم تؤثر فيه، ولمحاولة الطباعة المحرفة، فبقي كما هو، ولمحاولة تقليده ومحاكاته بسيئ الكلام وركيكه فلم يزحزح عن مكانته، بل إن كل ذلك أكد معجزته الباقية عبر الزمان، وأعلى من شأنه في صدور الناس، وكان كل ذلك بالرغم مما اشتمل عليه من العدوان والطغيان سببًا في تمسك المؤمنين به، وبابًا جديدًا للدعوة إلى الله ودخول الناس في دين الله أفواجًا، وبدلا من إبادة المسلمين التي أرادها مشركو مكة، ومن بعدهم الفرس والروم، ومن بعدهم الفرنجة والتتار، ومن بعدهم الاستعمار والتعصب في الشرق والغرب، بدلاً من ذلك انتشر الإسلام وأصبح عدد المسلمين أكبر أتباع دين طبقًا لموسوعة جينز للأرقام القياسية، وهم يقدرون الآن بمليار وثلاثمائة مليون نسمة.
فقد نزل القرآن بلغة العرب، وظل محتفظًا بلغته إلى يومنا هذا، وهذا الاحتفاظ جعله مرجعًا لكل من حاول أن يترجمه إلى لغة أخرى، ولقد ترجم منذ العصور الأولى خاصة ما ورد منه في رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأكاسرة والقياصرة؛ حيث وردت بعض الآيات في هذه الرسائل فترجمت إلى لغات المرسل إليه أثناء تلاوتها عليهم، والآن ترجم القرآن إلى أكثر من مائة وثلاثين لغة، بعضها ترجم مرة واحدة، وبعضها ترجم أكثر من مائتين وخمسين ترجمة كما هو الحال في اللغة الإنجليزية مثلا، وكثير منها ترجم مرات عديدة، وفي كل الأحوال يبقى النص القرآني هو المرجع.
والترجمة قد تكون سيئة النية وقد تكون من نص آخر غير العربية (كترجمة شوراكي إلى الفرنسية والترجمة إلى الأسبانية ..... إلخ) وقد تكون من شخص يجهل إحدى اللغتين أو اللغة المترجم إليها، وقد تكون ترجمة مذهبية أو طائفية أو شارحة لرأي المترجم. وفي كل الأحوال قد تكون مفككة وركيكة التركيب، وقد تكون بليغة راقية الأسلوب، ولكن يبقى الأصل العربي ليرفع النزاع ويمثل الإسلام تمثيلاً حقيقيًّا من تحريف أو تخريف، وهذه مزية تفرد بها القرآن عن سائر الكتب المقدسة.
فقد نقل القرآن بالأسانيد المتصلة المتكاثرة التي بلغت حد التواتر الإسنادي والجملي، ولقد أورد ابن الجزري في كتابه (النشر في القراءات العشر) أكثر من ألف سند من عصره (القرن التاسع الهجري) إلى القراء العشرة وهم قد نقلوا القرآن ممثلين عن مدن بأكملها كلها يقرأ كما كانوا يقرءون، وهذا ما يسمى بالتواتر الجملي؛ فلأن الناس جميعا يقرءون القرآن في مدينة معينة بهذه الطريقة وبهذا الأداء فكان هؤلاء القراء مجرد مندوبين عنهم وممثلين لقراءتهم، وحافظين لطريقتهم في التلاوة، وارتضاهم أهل كل مدينة لما رأوا فيهم مزيد الاهتمام وتمام العلم، فشهدوا لهم جميعا بذلك، فهناك ابن كثير (القارئ وليس المفسر) في مكة، وهناك نافع وأبو جعفر في المدينة المنورة، وهناك عاصم والكسائي وحمزة في الكوفة، ويعقوب وأبو عمرو بن العلاء في البصرة، وابن عامر في الشام، وخلف في بغداد وهؤلاء العشرة يروُون قرآنا واحدًا وطريقة كل واحد في القراءة تفسر القرآن تفسيرًا يجعله واسعًا قادرًا على أن يكون مصدرًا للهداية إلى يوم الدين مع تغير الأحوال وتطور العصور.
واهتم نقلة كتاب الله سواء عن طريق الكتاب أو التلقي بأدق معايير التوثيق في الأرض، والتي ابتكرها المسلمون أنفسهم، فاهتموا بالنقل على مستوى اللفظ والشكل والحركة، والأداء الصوتي في صورة أعجزت وبهرت كل من اطلع على كيفية نقل القرآن الكريم، وقد أنشأ المسلمون العلوم وابتكروها حتى في طريقة قراءة القرآن وبرزت علوم القراءات والتجويد لأداء ذلك الغرض.
والقرآن ما زال بين أيدينا قرآنا واحدًا، وامتلأت كتب التاريخ والأخبار بمن قرأه قراءة خاطئة أو تعمد تحريفه، وظل القرآن كما هو لا يتزحزح ولا يتغير ولا توجد فيه نسخ كثيرة، ولا يحتار المسلم بين نسخة وأخرى ولا يحتاج إلى أن يتخير منها عدة نسخ، بل هو قرآن واحد من طنجة إلى جاكرتا ومن غانا إلى فرغانة. وكان جديرًا بعد كل هذا أن يتغير لكنه لم يكن كذلك، إنه محفوظ في الواقع المعيش، ويحلو لبعض الناس أن تحشر هذه المخالفات من كتب التاريخ وهي مذكورة لتبين للناس أجمعين وفي كل العالم أن هذا الكلام من الحجارة التي ألقيت على القرآن أثناء مسيرته لم تؤثر فيه، وأنه تعرض لكثير من الضجيج ولكثير من الهجمات، فكان جبلاً شامخًا، ليس من حول المسلمين وقوتهم؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، بل بحفظ الله له كما وعد سبحانه.
ثانيا : تخليد ذكره صلى الله عليه وسلم:
قال الله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح :4]، وفي هذه الآية وعد آخر برفع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وتخليده في العالمين، ولقد شهد الواقع -وما زال يشهد كل يوم- بتخليد ذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فليس هناك نبي، ولا شخص، ولا شيء من مخلوقات الله يذكر في أنحاء الأرض كافة مثل النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إخوانه من أنبياء الله العظماء كعيسى عليه السلام والذي عبده بعض الناس، واعتقدوا أن الله حل فيه، أو أنه أقنوم من أقانيم الإله يدعونه ابن الله، حتى هؤلاء لا يذكرون عيسى أو يسوع بالشكل الذي يذكر المسلمون به نبي الله محمدًا صلى الله عليه وسلم.
فرسول الله يذكر في اليوم والليلة في كل وقت في الآذان في جميع أنحاء الأرض، وهي ما نستطيع أن نطلق عليها ديمومة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس هناك وقت في اليوم أو الليلة إلا وهناك ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم إما في الآذان أو الإقامة أو الصلاة.
فهذا تخليد لذكره الشريف في العالمين، ولا يستطيع أحد أن يوقف ذلك الذكر حتى يرث الله الأرض ومن عليها، لأن الوعد من الله، ولا يخلف الله وعده.
ثالثا : حفظ آله صلى الله عليه وسلم:
قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ المَوَدَّةَ فِى القُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى :23].
وقد صح عن سعيد بن جبير -رحمه الله- أن قال في معنى هذه الآية: «لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة»([1])، فهذه توصية بقرابته يأمره الله أن يبلغها إلى الناس. وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي »([2])، وقال رضي الله عنه أيضًا: «ارْقُبُوا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فِي أَهْلِ بَيْتِهِ»([3]).
وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحب آل بيته والتمسك بهم، ووصانا بهم - عليهم السلام أجمعين - في كثير من أحاديثه الشريفة، نذكر منها قوله صلى الله عليه وسلم: «أما بعد ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين؛ أولهما : كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به». فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي». فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل على، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم»([4]) وقوله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا؛ كتاب الله، وعترتي أهل بيتي»([5]).
وإن الأمر بالتمسك بالعترة الطاهرة آل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يقتضي بقاءهم في كل الأزمان، حتى يكون ذلك الأمر صالحًا للتطبيق في كل الأزمان، فالعترة الطاهرة باقية من زمن النبي صلى الله عليه وسلم وهذه من خصائصه التي شهد بها التاريخ، فليس هناك نبي مرسل، حفظ الله أهله ونسبهم إليه إلا النبي صلى الله عليه وسلم وذلك تصديقًا لوعده ولأمره صلى الله عليه وسلم بالتمسك بهم رضي الله عنهم أجمعين فهم الكوثر الذي أعطاه الله لنبيه، ليؤكد بالدليل العملي القاطع على وجوده التاريخي، فإن وجود آل النبي صلى الله عليه وسلم بيننا إلى يومنا هذا، ووجودهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها يؤكد للعالم أجمع أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يكن وهما، ولا يمكن إنكاره بل هو واقع وحق بهر الوجود وزيَّنه.
«والعجيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بشر ببقاء عترته في حين أن أبنائه كلهم قد ماتوا أمام عينيه في حياته إلا السيدة فاطمة عليها السلام حيث ماتت بعد انتقاله الشريف بستة أشهر، والأعجب من هذا أن أمامة بنت العاص ابنة زينب عليها السلام ماتت دون أن تعقب، فانحصر النسل الشريف في الحسن والحسين، وعلى كثرة زواجهما رضي الله تعالى عنهما إلا أنه لم يبق من أولادهما أحد بعد أن تسلط عليهم سيف الفسقة بالقتل، ولكن الله نجا أو أبقى الحسن المثنى وزيدا الأبلج ابنا سيدنا الحسن، عليا زين العابدين ابن سيدنا الحسين، ثم انتشر النسل الشريف بكثرته في الشرق والغرب من هؤلاء فقط، وكأن الله سبحانه وتعالى يرينا أنه كان قادرا على قطع نسل النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولكنه أبقاه تصديقا لكلامه الشريف، ونصرته لنبيه صلى الله عليه وسلم»
رابعا : بروز قبره وبقاؤه:
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء :64]. وقد انتقل النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الحياة الدنيا، ولكن بانتقاله هذا لم ينقطع عنا صلى الله عليه وسلم وله حياة أخرى هي حياة الأنبياء، وهي التي تسمى الحياة بعد الموت، أو الممات كما سماها صلى الله عليه وسلم حيث قال: «حياتي خير لكم تُحدثون ويَحْدُث لكم. ومماتي خير لكم، تُعرض علي أعمالكم فما رأيتُ من خير حمدت الله، وما رأيتُ من شر استغفرت الله لكم»([6]).
وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي؛ حتى أرد عليه السلام»([7])، وهذا الحديث يدل على اتصال روحه ببدنه الشريف صلى الله عليه وسلم أبدًا؛ لأنه لا يوجد زمان إلا وهناك من يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحياة النبي صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله ليست كحياة باقي الناس بعد الانتقال؛ وذلك لأن غير الأنبياء لا ترجع أرواحهم إلى أجسادهم مرة أخرى، فهي حياة ناقصة بالروح دون الجسد، وإن كان له اتصال بالحياة الدنيا كرد السلام وغير ذلك مما ثبت في الآثار، ولكن الأنبياء في حياة هي أكمل من حياتهم قبل الانتقال، وأكمل من حياة باقي الخلق بعد الانتقال.
وقد صح أن الأنبياء عليهم السلام يعبدون ربهم في قبورهم، فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مررت على موسى ليلة أُسري بي عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره»([8])، وعنه صلى الله عليه وسلم: «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون»([9])، ويدل هذا الحديث على أنهم أحياء بأجسادهم وأرواحهم لذكر المكان حيث قال «في قبورهم»، ولو كانت الحياة للأرواح فقط لما ذكر مكان حياتهم، فهم أحياء في قبورهم حياة حقيقية كحياتهم قبل انتقالهم منها، وليست حياة أرواح فحسب؛ كما أن أجسادهم الشريفة محفوظة يحرم على الأرض أكلها، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء»([10]).
ومن تمام إعجاز القرآن وبقائه وصلاحيته في كل الأزمان، وتمام تحقيق الله لوعد نبيه صلى الله عليه وسلم إبراز قبره الشريف، وأصبح القبر الشريف حقيقة تاريخية لا يختلف اثنان من أن ذلك الموضع بالمدينة المنورة في مسجده الشريف هو القبر الذي ضم جسد أعظم العظماء بشهادة غير المسلمين.
ليس هناك يقين عند أحد من المؤرخين بوجود قبر صحيح منسوب لأحد من الأنبياء إلا قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ثبوت قبره يقينًا عند المؤرخين، وبروزه فضيلة أخرى شهد بها الواقع التاريخي، وجميع الشواهد.
خامسا : حفظ سنته وسيرته :
قال تعالى : ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم :3] ، وقال صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»([11]). وقال صلى الله عليه وسلم: «ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله»([12]). وعن حسان بن عطية قال: «كان جبريل ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن»([13]).
فأدرك الصحابة ومن بعدهم أهمية ما يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال وحركات وسكنات وقاموا بتسجيلها لحفظ ذلك الدين الخاتم.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو النبي الوحيد، بل الإنسان الوحيد الذي حفظت سيرته وأقواله وأفعاله وحركاته وسكناته في اليقظة والمنام بهذا الشكل، فلم يهتم أحد بحفظ سيرة أحد على الأرض على مر التاريخ على هذا النحو، واهتم المسلمون بنقل كل شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنشئوا العلوم لحفظ سيرته وسنته، ولقد بدأ هذا في الصدر الأول للإسلام، فابن عباس ـ رضي الله عنه ـ يتحرى الليلة التي يأتي فيها النبي صلى الله عليه وسلم إلى خالته ميمونة ـ إحدى زوجاته رضي الله عنها ـ ويبيت عند خالته حتى يراقب النبي صلى الله عليه وسلم في أكله ونومه وعبادته، ويتمثل به كما روى ذلك مسلم في صحيحه وغيره.
ومن أبرز تلك العلوم التي نشأت علم الحديث والمصطلح، والذي رأى أن السنة هي: « كل الأقوال والأفعال والتقريرات حقيقة وحكمًا، حتى الحركات والسكنات يقظة ومنامًا قبل البعثة وبعدها» على نحو سيأتي تفصيله فيما بعد.
فكان حفظ سيرته وأخباره في كتب الصحاح والسنة والسيرة دليل واقعي تاريخي آخر على خصوصية وفضل ذلك النبي، فليس هناك تسجيل تاريخي محفوظ لنا بسند متصل إلى أحد الأنبياء إلا له صلى الله عليه وسلم.
سادسا : حفظ أمته من عبادته صلى الله عليه وسلم:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» [رواه مالك في الموطأ] وكما يظهر فالمقصود من كلمة مساجد في هذا الحديث، هو السجود لمن في القبر عبادة له، بدليل تحذيره في بداية الحديث لا تجعل قبري وثنًا يعبد، وإن من أعجب العجب، حفظ الله تعالى لأمة نبيه صلى الله عليه وسلم من أن تقع في عبادته رغم وقوعها في عبادة من هو أقل منه شأنًا، فضل أقوام وخرجوا من ملة الإسلام بأنها عبدت سيدنا عليًّا رضي الله عنه ، وضل آخرون بعبادتهم للحاكم بأمر الله.
إلا أن الله وقى الأمة على مر العصور وكر الدهور من الوقوع في عبادته صلى الله عليه وسلم، ولم يسجل التاريخ حتى ولو حالة واحدة أن هناك طائفة عبدته صلى الله عليه وسلم من دون الله، وفي ذلك إعجاز وحفظ واستجابة لدعوته صلى الله عليه وسلم حيث وقى الله الأمة أن تعبده، وسيستمر هذا الأمر إن ـ شاء الله ـ إلى أن يرث ربنا الأرض ومن عليها.
سابعا : نزاهة جهاده وجهاد أمته:
إذا تكلمنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتباره قائدًا مجاهدًا شجاعًا نبيلاً، ونراه صلى الله عليه وسلم وهو يعلم قواد الجيوش في العالم بأسره حقيقة الحروب، وكيف تدار، ومتى تبدأ وكيف تنتهي، وبالاطلاع على الحقائق التاريخية يتأكد ذلك المعنى، ومن هذه الحقائق: أنه صلى الله عليه وسلم لم يسع إلى الحروب وإنما فرضت عليه بسبب الاعتداء عليه، أو رغبة الظلم والعدوان، أو محاربة دين الله والآمنين، فقد فرض عليه صلى الله عليه وسلم طوال قيادته للدولة الإسلامية اثنان وثمانون تحركا عسكريا، لم ينشب القتال في ستين منها، وخمس تحركات لم يقتل غير المسلمين، ومجموع القتلى والشهداء من الفريقين 1004 أشخاص منهم 252 شهيدا مسلما والباقي من المشركين.
هذه الأرقام ليست من الفظاعة حتى تجبر العالم بأسره أن يخشى من الإسلام ويدخل فيه خوفا من السيف، بل إن عدد قتلى حوادث السيارات في عام واحد في أي مدينة كبيرة يفوق هذا العدد.
وذلك يؤكد أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن الخيار الأول عنده القتال، وكان يبتعد عن القتال قدر استطاعته حتى لا يجد من القتال بدا بأن يدافع عن نفسه وينصر المظلومين وينشر الإسلام.
وقد أنتجت هذه الحروب نحو ستة آلاف وخمسمائة أسير عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ستة آلاف وثلاثمائة أسير، ولم يأسر ويستمر الأسر إلا على مائتين، فكانت حروبه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وهو سيد ولد آدم ولا فخر.
وبذلك الخلق وتلك الأرقام يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نجاهد جهاد النبلاء، كيف نكون أتقياء مراقبين لله حتى في ظل احتدام المعركة، كيف نذكر الله في كل وقت وخاصة في وقت الجهاد، وقد اكتنف جهاده صلى الله عليه وسلم حقائق كثيرة ينبغي أن يعلمها المسلمون، فمن كان يجاهد؟ وكيف كان تواضعه ولجوءه إلى ربه في أصعب الأوقات؟ وكيف صار أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ بعده على هديه في الجهاد؟
وقد واصل الصحابة الكرام مسيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم في نشر الإسلام، والدعوة إلى الله على بصيرة، وبالحكمة والموعظة الحسنة، وكانوا لا يلجئون إلى القتال إلا إذا فرض عليهم من قوى العالم المتجبرة.
فلم ينشر المسلمون دينهم بالسيف، وقد شهد بذلك المنصفون من أبناء الحضارة الغربية، فهذا المستشرق الفرنسي جوستاف لوبون في كتابه (حضارة العرب) - وهو يتحدث عن سر انتشار الإسلام في عهده صلى الله عليه وسلم وفي عصور الفتوحات من بعده -: «قد أثبت التاريخ أن الأديان لا تفرض بالقوة. ، ولم ينتشر القرآن إذن بالسيف بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخرا كالترك والمغول، وبلغ القرآن من الانتشار في الهند التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل ما زاد عدد المسلمين على خمسين مليون نفس فيها»([14]).
ونسجل شهادة الكاتب الغربي الذي يدعى (توماس كارليل)، حيث قال في كتابه «الأبطال وعبادة البطولة» ما ترجمته: «إن اتهامه ـ أي سيدنا محمد ـ بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته سخف غير مفهوم ؛ إذ ليس مما يجوز في الفهم أن يشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس، أو يستجيبوا له، فإذا آمن به من يقدرون على حرب خصومهم ، فقد آمنوا به طائعين مصدقين، وتعرضوا للحرب من غيرهم قبل أن يقدروا عليها»([15]).
إن من يقرأ التاريخ ويلاحظ انتشار الإسلام على مر العصور يعلم أن الإسلام لم ينتشر بالسيف، بل انتشر بطريقة طبيعية لا دخل للسيف ولا القهر فيها، وإنما بإقامة الصلات بين المسلمين وغيرهم وعن طريق الهجرة المنتظمة من داخل الحجاز إلى أنحاء الأرض.
وهناك حقائق حول هذا الانتشار حيث يتبين الآتي:
في المائة العام الأولى من الهجرة: كانت نسبة انتشار الإسلام في غير الجزيرة كالآتي: ففي فارس (إيران) كانت نسبة المسلمين فيها هي 5%، وفي العراق 3%، وفي سورية 2%، وفي مصر 2%، وفي الأندلس أقل من 1%.
أما السنوات التي وصلت النسبة المسلمين فيها إلى 25% من السكان فهي كالآتي:-
إيران سنة 185 هـ، والعراق سنة 225 هـ، وسورية 275 هـ، ومصر 275 هـ، والأندلس سنة 295هـ.
والسنوات التي وصلت نسبتهم فيها إلى 50% من السكان كانت كالآتي:
بلاد فارس 235 هـ، والعراق 280 هـ، وسورية 330 هـ، ومصر 330هـ، والأندلس 355 هـ.
أما السنوات التي وصلت نسبة المسلمين فيها إلى 75% من السكان كانت كالآتي:
بلاد فارس 280 هـ، والعراق 320 هـ، وسورية 385 هـ، ومصر 385 هـ، والأندلس سنة 400 هـ.
من يعلم هذه الحقائق ويعلم أن من خصائص انتشار الإسلام:
1- عدم إبادة الشعوب.
2- الإبقاء على التعددية الدينية من يهود ونصارى ومجوس؛ حيث نجد الهندوكية على ما هي عليه وأديان جنوب شرق آسيا كذلك.
3- إقرار الحرية الفكرية، فلم يعهد أنهم نصبوا محاكم تفتيش لأي من أصحاب الآراء المخالفة.
4- ظل إقليم الحجاز مصدر الدعوة الإسلامية فقيرًا حتى اكتشاف البترول في العصر الحديث.
كل هذه الحقائق وغيرها، تجعلنا نتأكد أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الإنسان الكامل، وهو الرسول الخاتم الذي علم البشرية بأسرها فضائل الأخلاق، والتسامح، والنبل، والشجاعة، وعلى دربه سار أصحابه، والتابعون من بعدهم، وضرب المسلمون أروع الأمثلة للأخلاق، وانبهر العالم من حولهم بهذه الأخلاق النبوية التي توارثوها جيلاً بعد جيل.
ثامنا : «كمال أسوته»
فقد كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أسوة لكل أحد مع اختلاف مشاربهم وأوضاعهم وأحوالهم ودرجاتهم وأعمالهم وتخصصاتهم، ولم يكن نبي قط على هذا الحال إلا سيد الخلق، فقد اشتغل بالرعي، والتجارة، والعبادة، والقيادة، والتدريس، والقضاء، وكان من الأغنياء ومن الفقراء، وكان أبا وزوجا وجارا وصديقا، وتزوج امرأة واحدة، ورأى أحفاده فكان جدا، وتزوج أكثر من امرأة معا، فكانت له الأسرة المستقلة، وكانت له حالة التعدد، وكان محاربا ومعاهدا ومفاوضا ومناظرا ورجل سلام، وعاش في دار الكفر، وعاش في دار الإيمان، وهاجر، ولو جلسنا نعدد نواحيه كلها ما استطعنا.
ولكنه كان بالجملة مثالا لكل أحد فيجد كل واحد ممن أراد أن يتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم في حال من الأحوال، أو في شأن من الشئون رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامه بسيرته العطرة وإرشاده المستقيم مثالا يحتذى وأسوة حسنة متبعة.
تاسعا : «شفافيته» :
وكان سيد الخلق ظاهره كباطنه، وهو أمر لم نعهده فيما رأيناه من البشر، ولم نعهده كلنا في أنفسنا، بل إن الإنسان يحب أن تكون له خصوصية لا يطلع عليها أحد، ولكنه صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن تعرفه، وقال : «بلغوا عني ولو آية» وتزوج من تسع نسوة حتى ينقلن بثقة وأمانة حياته الخاصة، فلم تتبرم واحدة قط، ولم ترو واحدة ما يشين في سره وخصوصيته، كما أنه صلى الله عليه وسلم، قد آمن به من عرفه لا من لم يعرفه، وهو عكس ما كان عليه الأنبياء من أنهم قد آمن بهم من لم يعرفهم، وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم دافعوا عنه وفادوه بأنفسهم، وأصحاب الأنبياء فروا منهم وتفرقوا حين اللقاء.
وبذلك نقلت حياة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم بكل تفاصيلها وروى عنه أحاديثه أكثر من ألف وسبعمائة 1700 شخص عاش كثير منهم ليروي مقولة واحدة، وتحت يدينا صورة واضحة بكل العلاقات في حين أن بوذا وكنفشيوس وسيدنا موسى وعيسى -عليهما السلام- لا نعرف عن سيرتهم شيئًا، وأصحابهما -عليهما السلام- نعرف العدد القليل جدا منهم بأسمائهم دون سيرتهم، في حين أن المجلدات قد نقلت في سيرة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ونقلت ترجمة نحو عشرة آلاف صحابي، ولم يحدث هذا في تاريخ البشر.
فكانت حياة محمد عمارا وتعميرا، وكانت حياة غيره مجملة لا تصلح لأن تكون محلا للدرس واستخراج الأسوة للعالمين.
لقد طبق النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر به من ربه على أكمل وجه، وهذا في حد ذاته معجزة، حيث لم يختلف أول أمره عن آخره، فارس معلم بالنهار، عابد قائم بالليل.
عاشرا : «صدقه في ختم النبوة به» :
حيث قال ربنا : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب :40]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا نبي بعدي». فلم يأت نبي بعده صلى الله عليه وسلم، وكل من ادعى النبوة كذبا انتهى أمره، ولم يتبعه أحد، وذهب ذكره في التاريخ، أما المصطفى صلى الله عليه وسلم فله أمة هي أعلى وأكثر أهل الأديان تبعا.
وابتلى الله بعض الكذابين ممن ادعى النبوة أولا بدعوى الألوهية أخيرًا، فخرجوا عن المعقول والمنقول، ولم تنتشر أديانهم انتشار الإسلام.
الثاني عشر : «أمته أمة التوحيد» :
فهي الأمة التي تعبد ربا واحدا، والتي لها نبي واحد، والتي لها كتاب واحد، ولها قبلة واحدة، وتصوم شهرا واحدا، وترى الدنيا والآخرة حياة واحدة، وهي الأمة الوحيدة التي تسجد لربها في صلاتها، والأمة الوحيدة التي تصلي كل يوم خمس مرات بهذه الكيفية تطهر قبل الصلاة، وتستقبل قبلة واحدة، وترتبط الصلاة بمواقيت، ولها شروط وأركان، وهي الأمة الوحيدة التي فيها الصلاة شخصية تتعلق بذمة كل مسلم ومسلمة، لا يشترط فيها إلا العقل (فلا تفرض على الصبي وإن صحت منه، ولا تفرض على المجنون، ولا تفرض على النائم وإن طولب بها في الجملة).
وهي الأمة الوحيدة التي عندها تفاصيل العلاقة بين الإنسان وربه، فسرها الفقهاء في باب العبادات، وعندها تفاصيل شعب الإيمان، وعندها تفاصيل التشريع في العلاقة بين الإنسان وربه، وبينه وبين نفسه، وبينه وبين كونه، وبينه وبين الناس أجمعين. وهي الوحيدة التي عندها تفاصيل عالم الغيب، وتفاصيل مشاهد القيامة والجنة والنار، حتى إنها تفاصيل من يقف في ظل عرش الرحمن يوم القيامة، وعندها سند التوثيق المستمر في نقل الدين من جيل إلى جيل، حتى إن كل النقلة عبر العصور قد سجلوا بأسمائهم وأوصافهم وهو ما لا وجود لهم في البشرية أبدا. فعندها البركة الموروثة.
الثالث عشر : «عالمية الإسلام» :
دعا محمد صلى الله عليه وسلم بنفسه إلى عالمية الإسلام، قال تعالى : ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف :104]. وقال تعالى : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء :107]. في حين أن كل نبي جاء لم يدع إلى العالمية، بل دعا إليها من جاء بعده، وهذه العالمية أيدت في القرآن، فنص فيه على أنه محفوظ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر :9]. وأنه الختام ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب :40]. وأن الدين قد كمل : ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة :3]. ولذا تراه قد اعترف بجميع الأنبياء من قبله، وجعل الإيمان بهم ركن الإيمان بالإسلام، وخاطب الناس أجمعين، فقال : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف :158]. وقال : ﴿يَا بَنِى آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِى سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف :26]
ــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج4 ص 1289.
([2]) أخرجه أحمد في المسند، ج1 ص 9، والبخاري في صحيحه، ج3 ص 1360، ومسلم في صحيحه، ج3 ص 1380.
([3]) أخرجه البخاري في صحيحه في موضعين، ج3 ص 1361، وص 1370 في الجزء نفسه.
([4]) أخرجه أحمد في مسنده، ج4 ص 366، ومسلم في صحيحه، ج4 ص 1873.
([5]) أخرجه أحمد في المسند، ج3 ص 26، والترمذي في سننه، ج5 ص 662.
([6]) أخرجه البزار في مسنده 4-9، ج5 ص 308، والديلمي في مسند الفردوس، ج2 ص 137، والحارث في مسنده بزيادات الهيثمي، ج2 ص 884، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ج9 ص 24 وعقبه بقوله ورجاله رجال الصحيح..
([7]) أخرجه أحمد في مسنده، ج2 ص 527، وأبو داود في سننه، ج2 ص 218، والطبراني في الأوسط، ج3 ص 262، والبيهقي في الكبرى، ج5 ص 245، وفي الشعب، ج2 ص 217، والديلمي في مسند الفردوس، ج4 ص 25، والمنذري في الترغيب والترهيب، ج2 ص 326، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ج10 ص 162، وقال عنه الحافظ ابن حجر في الفتح، ج6 ص 488: ورواته ثقات، ورد على الإشكالات العقلية الواردة عليه.
([8]) أخرجه أحمد في مسنده، جـ2 صـ 315، ومسلم في صحيحه، جـ4 صـ 1845، والنسائي في الكبرى، جـ1 صـ 419، وابن حبان في صحيحه، ج1 ص 242، وابن أبي شيبة في مصنفه، جـ7 صـ 335، والطبراني في الأوسط، جـ 8 صـ 13.
([9]) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس، ج1 ص 119، وأبو يعلى في مسنده، ج6 ص 147، وابن عدي في الكامل، جـ2 صـ 327، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، جـ 8 صـ 211، وعقبه بقوله ورجال أبي يعلى ثقات.
([10]) أخرجه أحمد في مسنده، ج4 ص 8، وأبو داود في سننه، جـ1 صـ 275، والنسائي في سننه، جـ3 صـ 91، وابن ماجه في سننه، جـ 1 صـ 524، والدارمي في سننه، جـ1 صـ 445، والحاكم في المستدرك، ج1 ص413، وعقبه بقوله: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ورواه البيهقي في الصغرى، جـ1 صـ 372، والكبرى، جـ3 صـ 428.
([11]) رواه أحمد في مسنده، ج4 ص 130، وابن أيوب الطبراني في مسند الشاميين، ج2 ص 137، والمروزي في السنة، ج1 ص 71.
([12]) رواه أحمد في مسنده، ج4 ص 130، وأبو داود في سننه، ج3 ص 170، والترمذي في سننه، ج5 ص 38، وابن ماجة في سننه، ج1 ص 9، وابن حبان في صحيحه، ج1 ص 188، والحاكم في المستدرك، ج1 ص 190، واللفظ للترمذي.
([13]) رواه أبو داود في مراسيله، ج1 ص 361، المروزي في سنته، ج1 ص 33، وابن المبارك في الزهد، ج1 ص 23.
([14]) غوستاف لوبون حضارة العرب ص 128 ، 129 ط الهيئة المصرية العامة للكتاب.
([15]) حقائق الإسلام وأباطيل خصومه للعقاد صـ166 ط الهيئة المصرية العامة للكتاب..
خصائص السيرة النبوية
تميزت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بالعديد من المزايا والخصائص، التي جعلتها سيرة خاصة ليست كقصة حياة أي إنسان أو حتى أي نبي آخر، ومن هذه الخصائص :
1- دقة تفصيلاتها :
فقد تميزت مراجع السيرة النبوية في التراث الإسلامي بشدة تفصيلاتها التي تجعل الباحث فيها والقارئ لها وكأنه يشاهد تلك المرحلة مشاهدة العين، فذكرت المراجع دقائق النسب في العرب وتوسعت في ذكر فترة ما قبل البعثة وتاريخها، وتحدثت عن مولده ونشأته ورضاعته الشريفة صلى الله عليه وسلم.
وتحدثت كتب السيرة عن شبابه وعمله، وكيف يأكل وكيف يضحك صلى الله عليه وسلم، وكيف ينام، وماذا يحب من الطعام، كل شيء تم تسجيله بتفصيل دقيق يبهر الناظر في ذلك التراث من شدة تتبع المسلمين لكل شيء وهم كانوا في تدوين هذا التراث على هدي الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، فذكرت السنة النبوية أن سيدنا عبد الله بن عباس تحرى ليلة خالته ميمونة وذهب ليبيت عندها ليراقب كيف ينام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف يستيقظ، وكيف يقوم الليل، فيرى ذلك كله ويخبر به المسلمين.
2- شدة توثيقها وثبوتها :
«التوثيق» يعد أحد أهم سمات النموذج المعرفي الإسلامي، وقد تأصلت تلك السمة في حضارة المسلمين عبر القرون حتى أصبحت مكونًا أصيلاً من مكونات عقلية المسلم، وابتكر المسلمون علومًا كثيرة لتحقيق تلك السمة، ومن مظاهر ترسخ «التوثيق» في عقلية المسلمين أنهم لم يقصروه على الوحي فحسب، بل قاموا بتوثيق كل الأقوال المنقولة حتى عن غير النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة والتابعين وغيرهم، كما قاموا بتوثيق الكتب المؤلفة من علماء المسلمين.
وقد أبدع المسلمون (علم التوثيق) على غير مثال سابق، فلم يأخذوه من أمة خلت، ولم يقلدوا أحدًا من الناس فكان من العلوم التي وضعوها وكملت غاية الكمال، وعلم التوثيق مثله في ذلك مثل (علم الفهم) أو ما يسمى (بأصول الفقه)، فإنه علم بديع نشأ من حضارة المسلمين، وهذان العِلمان يحتاجهما العالِم الذي يتمسك بالمنهج العلمي فيوثق مصادره ويتأكد من معلوماته حتى لا يقع في عقلية الخرافة ولا في حد الانطباع التي لا ضابط لها ولا رابط.
ومن علوم التوثيق عند المسلمين (علم القراءات القرآنية) (وعلم رواية الحديث) حيث ينشئ المسلمون علم القراءات ينقلون فيه كتاب الله من غير تحريف ولا تصحيف، وعلوم الحديث رواية ودراية ينقلون فيها كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنهج علمي غير مسبوق، وعلم أصول الفقه وعلوم العربية ليفهموا من خلالها الفهم المنضبط للنص الشرعي الوارد إلينا بلغة العرب.
فالتوثيق ثقافة يجب أن تشيع حتى نصل إلى العقلية العلمية ونخرج من عقلية الخرافة والانطباعات الهشة.
وقد بلغ التوثيق في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذروته، فكتبت سنته وسيرته بأوثق الأسانيد وأكثرها بعد القرآن الكريم، فهو النبي الوحيد، بل الإنسان الوحيد الذي حفظت سيرته وأقواله وأفعاله وحركاته وسكناته في اليقظة والمنام بهذا الشكل، فلم يهتم أحد بحفظ سيرة أحد على الأرض على مر التاريخ على هذا النحو، واهتم المسلمون بنقل كل شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنشئوا العلوم لحفظ سيرته وسنته، ولقد بدأ هذا في الصدر الأول للإسلام، فابن عباس ـ رضي الله عنه ـ يتحرى الليلة التي يأتي فيها النبي صلى الله عليه وسلم إلى خالته ميمونة ـ إحدى زوجاته رضي الله عنها ـ ويبيت عند خالته حتى يراقب النبي صلى الله عليه وسلم في أكله ونومه وعبادته، ويتمثل به كما روى ذلك مسلم في صحيحه وغيره.
فكان في حفظ سيرته وأخباره في كتب الصحاح والسنة والسيرة دليل واقعي تاريخي آخر على خصوصية وفضل ذلك النبي، فليس هناك تسجيل تاريخي محفوظ لنا بسند متصل إلى أحد الأنبياء إلا له صلى الله عليه وسلم.
3- أهمية مصادر كتب السيرة وأهم المراجع في السيرة :
يعد القرآن الكريم من أهم مصادر السيرة، بما تضمنه من وصف للعديد من الأحداث والغزوات، وتصوير للصراع بين الإسلام وخصومه، وبما له من دلالاته لشدة توثيقه وقطعية ثبوته، حيث لا يشكك أحد فيه من الناحية التاريخية، وإن اختلفت الآراء بين المسلمين وغيرهم حول مصدره.
وبعد القرآن الكريم تأتي كتب السنة المختلفة ما بين الكتب المرتبة على المسانيد والكتب المرتبة على الموضوعات الفقهية، حيث أمدت هذه الكتب السيرة النبوية بمادة علمية غزيرة، كما اشتملت على تفاصيل غاية في الدقة في جميع مجالات الحياة.
وتعلو درجة كتب السنة على كتب السيرة من ناحية صحة الأسانيد واتصالها وينطبق ذلك على الكتب الستة المعروفة أو التسعة المشهورة ويأتي الصحيحان على رأس هذه الكتب.
وإضافة لما سبق فإن كتب الحديث وشروحها تناولت المغازي والأحداث التاريخية، وقدمت معلومات غزيرة في هذا المجال.
وللسيرة النبوية مصادر أخرى غير القرآن الكريم والسنة النبوية، ككتب أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وكتب التفسير عموما وفي مقدمتها [تفسير الطبري] و [تفسير ابن أبي حاتم الرازي] فكلا التفسيرين خدما السنة من حيث كثرة التفاصيل وذكر الأسانيد مما يفيد في توثيقها.
كما ساهمت كتب الرجال في تحقيق كتب السيرة، فلا تخفى فائدة هذا العلم على معرفة الأسانيد سواء في كتب الأحاديث أو السيرة، فهذا العلم يحكم على صحة الروايات من خلال نقد الرجال ومعرفة أحوالهم.
وقد فقد العديد من المراجع الأصيلة القديمة للسيرة النبوية مثل مغازي عروة بن الزبير، وموسى بن عقبة، الزهري، ولكن ما اقتبسته المصادر اللاحقة يوضح الهيكل والأسلوب ومستوى الدقة.
وتعد سيرة ابن اسحق أوثق كتب السيرة المتخصصة التي وصلت إلينا بتهذيب ابن هشام بالإضافة إلى القطع الأصلية منها ، والتي نشرت خلال العقدين الأخيرين، فهو حجة في المغازي كما صرح الذهبي، رغم ما ذكره النقاد المحدثون من وجود المناكير والعجائب في رواياته، إذ أنهم قبلوا من أحاديثه في أمور العقيدة والشريعة ما صرح فيها بالتحديث ولم يدلس ما لم يخالف من هو أوثق منه ، واعتبروها في مرتبة " الحسن " الذي يحتج به. وأصح الروايات المعتمدة لسيرة ابن إسحاق هي رواية البكائي فقد لاقت قبولا لاعتمادها على نسخة منقحة، وأقل منها اعتمادا رواية يونس بكير التي اعتمدت على نسخة قديمة.
وتأتي مغازي الواقدي في المرتبة الثانية بعد سيرة ابن إسحاق، فقد اهتم المؤرخون بها لغزارة معلوماته، وتقديمها تفاصيل كثيرة تنفرد بها، سواء في وصف الغزوات، أو تحديد تواريخ الأحداث بدقة بالغة.
ويأتي كتاب الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد [ت230هـ] في المرتبة الثالثة، وكان محمد بن سعد من كتاب الواقدي، وقد اتهم بسرقة مصنفاته ورد بعض المحدثين هذه الاتهامات، وبمطالعة كتابه تتضح أمانته في النقل حيث صرح في مواطن كثيرة بالنقل عن الواقدي.
ثم يأتي بعد ذلك أنساب الأشراف للبلاذري وترتيبه في هذا لأهميته وقدمه، ولم نقدم عليه الطبري لأن أغلب ما ذكره اعتمد فيه على ابن إسحاق وأضاف روايات قليلة من مصادره.
ثم تأتي بعد ذلك كتب متأخرة نسبية عن هذه منها [الدرر في اختصار المغازي والسير] لابن عبد البر القرطبي [ت 463 هـ] و [جوامع السيرة] لابن حزم [ت 456هـ] غير أن هذه الكتب لم تكن إلا إعادة صياغة لنفس الكتب القديمة.
ثم جاءت الكتب المتأخرة عن ذلك وجمعت بين اعتمادها على سيرة ابن إسحاق والواقدي وبين المصادر الحديثية، فقد اتضح هذا المنهج عند ابن سيد الناس في [عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير] و الذهبي في [السيرة النبوية] و ابن كثير في الجزء الذي تحدث فيه عن السيرة من كتابه [البداية والنهاية]، ولقد أكثر الذهبي وابن كثير من الحديث عن صحة الأسانيد والتوثيق.
وبعد أن كثرت الكتب في السيرة النبوية بشكل كبير اتجه كتاب السير والمؤلفين إلى الجمع الكبير من تلك المؤلفات وهذا ما قام به محمد بن يوسف الدمشقي [ت942هـ] حيث جمع كتابه [سبل الهدى والرشاد في سيرة العباد] من نحو ثلاثمائة كتاب.
وكان لكتب الشمائل والدلال أهمية ومرجعية في سيرته العطرة، ويعد كتاب [دلائل النبوة] للبيهقي من أوسع تلك الكتب، وكتاب [غاية السول في خصائص الرسول] لابن الملقن. وكتاب [اللفظ المكرم بخصائص النبي صلى الله عليه وسلم] للخيضري الدمشقي.
وعلى هذا العرض فأهمية مصادر السيرة النبوية، وكثرة مراجعها من أهم السمات التي تميزها وتبرزها بين كتب السير والتاريخ الأخرى.
4- تعد بيانا عمليا تطبيقيا للوحي بيان النظري :
لم ينزل ربنا القرآن الكريم ويوحي لنبيه العظيم صلى الله عليه وسلم بالوحي الشريف لمجرد التبرك بتلاوة تلك الكلمات ورواياتها فحسب، مع تأكيدنا على عدم الإقلال من أهمية هذه التلاوة والتبرك بها ففيها من الأسرار والارتقاء في الإيمان ما فيها، إلا أننا نريد أن ننبه على المقصد الأساسي من إنزال الوحي حتى لا يظل نصا تبركيا بعيد عن التطبيق والتأثير في حياة الناس.
حيث يجد المسلم نفسه أمام نصوص الوحي الشريف عاجزا عن تطبيقها ما لم يهتدي إلى النموذج العملي الذي يريده الله منه، فمثلا في قوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة :21] فيسأل المسلم وكيف أعبد ربي ؟ وفي قوله تعالى : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء :19] فيسأل كيف أعاشر زوجتي ؟ فلا يجد إجابة عن هذه الأسئلة إلا في قوله تعالى : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب :21]. فسيرته صلى الله عليه وسلم هي النموذج التطبيقي الذي به يهتدي المسلمين لتطبيق كلام ربهم.
فلماذا معرفة السيرة النبوية ؟ لماذا التعرف على حياته ومواقفه صلى الله عليه سلم ؟ لأنه القرآن الذي يمشي على الأرض، وأخلاقه هي القرآن كما وصفته بذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها.
ولذا فمن أهم سمات السيرة النبوية أنها تعد منهجا تطبيقيا عمليا للوحي الشريف المسطور في القرآن والسنة فيما يمكن أن نسميه بالوحي العملي التطبيقي، فهي سيرة معصوم كما أن وحيه معصوم وكأنها : ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ [النور :35].
5- تعد منهجا للسياسة الداخلية :
أقام النبي صلى الله عليه وسلم بعد البعثة وهو زعيم للمسلمين بين المشركين 13 سنة، أسر دعوتها وأعلنها، حذر الناس ورغبهم، تحمل الأذى، حاصره الناس اقتصاديا، أقاموه فيما يمكن أن نسميه بالإقامة الجبرية أو تحديد الإقامة، ولكنه خرج بدعوته إلى المدينة المنورة وأقام في المدينة 10 سنوات بنى المجتمع المسلم أصلح بين القبائل، جعل ولائهم لله وحده، جعل الأوس والخزرج أخوة بعد حروب ضروس، وجعل المهاجرين والأنصار أخوة، وجعل مفهوم الأخوة في المجتمع مقصورا على الإيمان، فاتسع مفهوم الأخوة من المعنى التقليدي ليكون بين المجتمع المسلم كله، وكأن المسلمين في تجمعهم وتحابهم كالأسرة الواحدة، قال تعالى : ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات :10].
هذه الإنجازات وغيرها تجعل من السيرة نبوية منهجا تطبيقيا عمليا لجمع كلمة الشعب، ولحسن إدارة السياسة الداخلية بين الناس على اختلاف أذواقهم وآراءهم، بالعفو عن المسيء منهم، وطلب المغفرة لهم، وإشراكهم في الرأي واستشارتهم فهو رحمة من ربه لهم، رقيق القلب معهم، وقد جمع الله له صلى الله عليه وسلم تلك الصفات في قوله تعالى : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًا غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران :159].
6- تعد منهجا للسياسة الخارجية :
لم يكن النجاح في السياسة الداخلية بأكبر منه في السياسة الخارجية، فالنبي صلى الله عليه وسلم أسس دولة الإسلام من المدينة المنورة وفرض عليه ثلاثة معارك كبرى على حدود دولته، فخاضها دفاعا عن دعوته، دفاعا عن دين الله.
وعقد النبي صلى الله عليه وسلم المعاهدات والاتفاقيات مع اليهود والمشركين والمسيحيين، فعقدت معاهدة الحديبية بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومشركي مكة [قريش] في عام (6هـ /627 م) ، وكانت مواد المعاهدة تتضمن ضماناً من كلا الطرفين بعدم مهاجمة الطرف الآخر . فرسخت الأمن والسلام الذي كان الطرفان بحاجة إليه ، بعد أن شهدت الجزيرة العربية صراعاً عنيفاً وحروباً ومعارك ضارية بين المسلمين والمشركين .
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد عقد معاهدات أخرى مع اليهود والمسيحيين، سواء المقيمين داخل الجزيرة العربية أو خارجها ، وخارج حدود دولة المدينة . فقد عقد صلى الله عليه وسلم اتفاقية سلمية مع نصارى نجران عام (10 هـ/ 631م) ، ومع يهود فدك وأيْلة وتيماء ([1]) ، ومع بني صخر من كنانة([2]).
ونجح في تأمين حدود دولته التي زاد في رقعتها الخلفاء من بعده حتى اعتبرت أكبر وأسرع إمبراطورية تتكون في التاريخ وتستمر ما يقرب 12 قرنا من الزمان، كل ذلك النجاح كان ثمرة حسن الإدارة وحسن السياسة الداخلية التي تعد سيرة المصطفى منهجا عمليا لإدارة شئون الدول من ناحية السياسة الدولية، ولا نقصد بهذا الرجوع لنفس الوسائل ولكن نتكلم عن الفكر والعقلية وترتيب الأولويات وحماية مصالح المسلمين.
7- تعد منهجا لإدارة النواحي العسكرية والجهادية :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قائدًا مجاهدًا شجاعًا نبيلاً، نراه وهو يعلم قواد الجيوش في العالم بأسره حقيقة الحروب، وكيف تدار، ومتى تبدأ وكيف تنتهي، وبالإطلاع على الحقائق التاريخية يتأكد ذلك المعنى ومن هذه الحقائق : أنه صلى الله عليه وسلم لم يسعَ إلى الحروب وإنما فرضت عليه بسبب الاعتداء عليه، أو رغبة الظلم والعدوان عليه وعلى المسلمين، أو محاربة دين الله والآمنين، فقد فُرض على النبي صلى الله عليه وسلم طوال قيادته للدولة الإسلامية اثنين وثمانين تحركًا عسكريًا، لم ينشب القتال في ستين منها، وخمس تحركات لم يقتل غير المسلمين، ومجموع القتلى والشهداء من الفريقين 1004 شخص منهم 252 شهيدا مسلما والباقي من المشركين.
هذه الأرقام ليست من الفظاعة حتى تجبر العالم بأسره أن يخشى من الإسلام ويدخل فيه خوفا من السيف، بل إن عدد قتلى حوادث السيارات في عام واحد في أي مدينة كبيرة يفوق هذا العدد.
وذلك يؤكد أن القتال لم يكن الاختيار الأول عنده صلى الله عليه وسلم في نشوب النزاعات، وأنه كان يبتعد عن القتال قدر استطاعته حتى لا يجد منه بدا؛ بأن يدافع عن نفسه وينصر المظلومين وينشر الإسلام.
وقد أنتجت هذه الحروب نحو ستة آلاف وخمسمائة أسيرًا عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ستة آلاف وثلاثمائة أسير، ولم يأسر ويستمر الأسر إلا على مائتين، فكانت r رحمة للعالمين، وهو سيد ولد آدم ولا فخر.
وبذلك الخلق وتلك الأرقام يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نجاهد جهاد النبلاء، كيف نكون أتقياء مراقبين لله حتى في ظل احتدام المعركة، كيف نذكر الله في كل وقت وخاصة في وقت الجهاد.
فأين هذا من المفسدين في الأرض الذين دمروا القرى وأبادوا الشعوب بحجج واهية، ومازال الفساد مستمرا في الأرض نسأل الله أن يعافينا وأوطاننا والمسلمين.
8- تعد منهجا لحل إشكالية التنافر بين الدين والدنيا :
ساد الفكر العلماني كل دول العلماء ولم تنج منه دولة سواء في العالم الأول أو العالم الثاني أو حتى في العالم الثالث، ويمكننا أن نعرف العلمانية، فهي تؤمن بالنسبية المطلقة، وأن الإيمان بالنسبية المطلقة هو الذي يمثل ما أسماه الدكتور عبد الوهاب المسيري (بالعلمانية الشاملة) وحينئذ فلا بأس عند ذلك المعتقد أن ينكر الله، ولا بأس عنده أن ينحيه من التلقي منه سبحانه وتعالى، أو من تهميشه من الحياة، وتحويل مسألة الإيمان بالله إلى مسألة شخصية جانبية تمثل إيمانا خاصًا، ولا تمثل قضية للوجود.
وهذه النسبية المطلقة تؤثر كثيرًا في التفسيرات اللغوية، وتجعل الكون لا حقيقة له في نفسه، بل إنه كما يراه الراصد، وكما يراه كل إنسان على حدة، فليس للأشياء حقيقة ثابتة، وهو ما ينقلنا إلى مذهب السوفسطائية القدماء وإلى مذهب الغموصية الحلولية، والتي يتصور الإنسان فيها الله جل جلاله داخل الكون، وليس مفارقا له.
وهو التيار الذي شاع في أواسط حركة مع بعد الحداثة، وكاد يتحكم في التيار العام للفكر الغربي في العصر الحديث. وعليه يمكن لنا أن نطبق هذا المدخل على تفصيلات تزيده وضوحا في كيفية التعامل بواسطته مع النصوص الشرعية ومع الواقع المعيش.
وبالرجوع إلى السيرة النبوية نرى كيف أقام النبي صلى الله عليه وسلم مجتمعا مدنيا على أساس ديني، وكيف نجح هذا المجتمع في التقدم وكون حضارة في جميع المجالات الثقافية والعلمية، ونرى الذين يريدون التغبيش على قدرة تطبيق النموذج المعرفي الإسلامي على التعايش في هذا العصر الحديث يتكلمون عن تجارب شابها الانغلاق والقصور والأهواء والجهل، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان فوق هذا القصور، وأمرنا الله أن نسير على هديه ونهجه.
وعندما تخلت النظم التي قامت عليها الدول الإسلامية والعربية في العصر الحديث عن النموذج المعرفي الإسلامي وتبنت نموذجا غربيا مشوها ما رأينا في النتائج إلا التبعية الثقافية والتبعية التكنولوجية والتبعية السياسية والتبعية الإعلامية، وتحولنا إلى أتباع لهم وقد كانوا يُتَبعون من قبل، وأصبحنا في ذيل الركب بل ونحاول أن نلحق بالذيل بعدما كنا بفضل ما ميزنا به ربنا من منهج قويم ونموذج معرفي يتعامل مع الدين والدنيا أئمة يهتدون بنا، نسأل الله أن يردنا إلى ديننا ردنا جميلا.
9- تعد منهجا للإدارة واختيار عناصر القيادة والعاملين :
كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الحاكم للدولة الإسلامية الوليدة التي امتدت مساحتها لتشمل جميع شبه الجزيرة العربية وهي مساحة مع اعتبار قلة الاتصالات والمواصلات يصعب السيطرة عليها إلا إذا حسنت الإدارة، وكان اختيار الولاة والقضاة وقواد الجيش على أساس سليم.
لذا فمن ينظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يريد أن يعرف كيف يكون اختيار القادة سيعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختار قائد الجيوش والوالي والقاضي من المسلمين لا لأنهم أقرب الناس إليه أو أكثر محبة بالنسبة له أو أكثرهم صلاحا، وإن كان لابد من توافر الصلاح فيهم، ولكن كان معيار الكفاءة هو الأرجح فكان خالد بن الوليد يقود الجيش لأنه أكثر المسلمين تأهيلا لقيادة الجيش وخبرة بالقتال، فكان معيار الكفاءة هو الأصل في الاختيار في كل المناصب.
لذا فتعد سيرته العطرة منهجا لإدارة شئون البلاد والمؤسسات واختيار القادة والعاملين بما يحقق النجاح والرخاء والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
10- تعد منهجا للتربية وبناء المجتمعات على فضائل الأخلاق.
للأخلاق في الإسلام مكانة عظيمة، ويدل على تلك المكانة قول النبي صلى الله عليه وسلم : «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق »([3]). ويُبين النبي صلى الله عليه وسلم تلك المكانة في حديث آخر حيث قال صلى الله عليه وسلم: « إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون، قالوا : يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون ؟ قال : المتكبرون »([4])، وقوله صلى الله عليه وسلم : « إن الله كريم يحب الكرم ويحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها »([5]).
هذه الأحاديث وغيرها الكثير تدل على المكانة العظيمة للأخلاق، والحديث الأول يوحي بأن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم مقصورة على «مكارم الأخلاق»، فـ «إنما» أداة حصر وقصر، فهذا الأسلوب البليغ ينبه المسلمين على تلك المكانة العظيمة التي جعلها الله للأخلاق، بل إن الأخلاق الكريمة تدعو إليها الفطر السليمة، والعقلاء يجمعون على أن الصدق، والوفاء بالعهد، والجود، والصبر، والشجاعة، وبذل المعروف أخلاق فاضلة يستحق صاحبها التكريم والثناء، وأن الكذب، والغدر، والجبن، والبخل أخلاق سيئة يذم صاحبها.
فالمسلم الحسن الخلق هو من تجتمع فيه الأخلاق الفاضلة، ويخلو من الأخلاق السيئة وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم على أفضلها في الحديث الذي يخاطب فيه أحد أصحابه وهو عقبة بن عامر حيث قال صلى الله عليه وسلم : « يا عقبه ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة ؟ تصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك »([6]).
وقد تجمعت علامات حسن الخلق في عدة خصال وهي : الحياء، والصلاح، والصدق، وقلة الكلام، وكثرة العمل، وترك ما لا يعنيه، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والصبر، والشكر، والحلم، والعفة. وأصل الأخلاق المحمودة كلها الخشوع وعلو الهمة.
ولحسن الخلق عظيم الأثر على المجتمع في الرقي والازدهار، فعندما تنتشر الأخلاق الفاضلة في المجتمع يتقدم ويزدهر، بل إن أصل الحضارة الحقيقية هي حضارة الإنسان وسمو أخلاقه، ويقول في هذا المعنى أمير الشعراء :
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت **** فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فالأخلاق الكريمة هي إفراز القلب السليم والنفس الزكية، والعقيدة الصحيحة، والفكر الرصين، والاستقرار النفسي والإيماني، فهي مظهر ذلك كله، وسوء الأخلاق يدل على خلل في أحد هذه الأشياء أو جميعها. سلمنا الله والمسلمين من سوء الأخلاق
11- تعد منهجا للتعامل داخل الأسرة ووصل الأرحام :
كان النبي صلى الله عليه وسلم يتيما في كنف جده، ثم في كنف عمه، ثم تزوج وتكونت له أسرة فكان زوجا وأبا وله عائلة وعشيرة، وكان النبي صلى الله عليه مثالا للزوج الحنون الكريم، والأب الرءوف الرحيم، وذكرت كتب السيرة أنه كان يقوم لفاطمة عليها السلام ويقبلها بين عينيها، ويحمل الحسن والحسين وأمامة أحفاده في الصلاة، وكان النبي نموذجا لصلة الرحم حتى مع غير المسلمين منهم فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال بني فلان ليسوا بأوليائي إنما ولي الله وصالح المؤمنين : «ولكن لهم رحم أبلها بلالها يعني أصلها بصلتها» [رواه البخاري].
فمن طالع سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وجدها منهجا لتماسك المجتمع وصلة الأرحام والمعاملة بفضائل الأخلاق بين أفراد الأسرة والعائلة.
12- تعد منهجا لإدارة الأزمات.
مرت الدعوة الإسلامية بأزمات كثير منذ ولادتها في مكة بدأت بمقاومة مشركي قريش له ولدعوته واستهداف المستضعفين من أتباعه بالتعذيب وهؤلاء النفر هم نواة الدولة الإسلامية التي ستسود العالم وتقوده بعد بضع سنوات، ثم واجه بعد ذلك الحروب بعد الهجرة لاستئصال دعوته وإنهاء أمره، وواجه الأزمات الداخلية التي كان يثيرها المنافقون بإثارة الفتن في المجتمع وتفريق المسلمين.
أدار النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأزمات بالصبر والحكمة وعالجها وبث روح الإيمان والوحدة بين المسلمين، وأعد العدة الصحيحة وقام بتربية أصحابه وتأهيلهم وأخذ بالأسباب ورتب الأولويات، ونجح في إدارة السياسة الخارجية والداخلية وخرج من كل الأزمات التي واجهته داخليا وخارجيا.
لذا فإن السيرة النبوية تعد منهجا ومرجعا يرشد إلى كيفية إدارة الأزمات الداخلية والخارجية واستخلاص المبادئ العامة للخروج من الأزمات.
ــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) حميد الله ،State", p. 266 of Conduct "Muslim.
([2]) سيد قطب ، «في ظلال القرآن» / ج 10 / ص 123.
([3]) أخرجه أحمد في مسنده، ج2 ص 382، ومالك في الموطأ، ج2 ص904 ولفظ مالك «لأتمم حسن الأخلاق»، والحاكم في المستدرك، ج2 ص 670، أما لفظ «لأتمم مكارم الأخلاق» فرواه البيهقي في السنن الكبرى، ج10 ص 191، والقضاعي في مسند الشهاب، ج2 ص 192.
([4]) أخرجه أحمد في مسنده، ج4 ص 193، والترمذي في سننه، ج4 ص 370، وابن حبان في صحيحه، ج2 ص 231.
([5]) رواه البيهقي في شعب الإيمان، ج6 ص 241.
([6]) أخرجه أحمد في مسنده، ج3 ص 438، والحاكم في المستدرك، ج4 ص178، والطبراني في الأوسط ج5 ص 364، وفي الكبير، ج17 ص 279، والبيهقي في سننه الكبرى، ج10 ص 235.
معنى السيرة النبوية وأهميتها
تعريف السيرة النبوية :
السيرة لغة : هي السنة أو الطريقة أو الحالة التي يكون الشيء عليها، قال تعالى : ﴿قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى﴾ [طه :21] أي حالتها التي كانت عليها.
أما معناها الاصطلاحي : فيقصد بها ذكر ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأفعال والتقريرات -حقيقة أو حكما- والصفات الخُلقية والخَلقية حتى الحركات والسكنات يقظة أو مناما؛ إلا أن مصنفو السير ضموا فترة ما قبل ولادته لارتباطها بالميلاد الشريف ولإلقاء الضوء على حالة الأرض عامة قبل مولده، وحالة العرب خاصة مما يفيد في دراستها وفهمها.
فائدة السيرة النبوية :
تعد السيرة النبوية أهم السبل لفهم مراد الله من وحيه المنطوق، وإذا جاز لنا أن نسمي القرآن المسطور والمحفوظ في الصدور والسنة النبوية المدونة بالوحي النظري، فإن السيرة النبوية هي الوحي العملي التطبيقي، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان قرآنا يمشي على الأرض، وتعد السيرة النبوية منهجا متكاملا للحياة يبين الجانب الأخلاقي والاجتماعي، والجانب السياسي والديني، والجانب العسكري، والجانب الإداري، ولذا فإن السيرة النبوية تطبيق لمفهوم الإسلام الشامل باعتباره منهج حياة.
ومن أهم ثمار دراسة السيرة النبوية فهم شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم عن طريق معرفة تاريخ حياته والظروف التي أحاطت به وعاشها صلى الله عليه وسلم، فلم يكن صلى الله عليه وسلم مجرد عبقري سمت به عبقريته ضمن عباقرة أو عظماء العالم -كما يقولون- ولكنه قبل ذلك رسول أيّده الله بوحي من عنده وتوفيق من لدنه، وأمر المسلمين أن يتبعوه، فقال تعالى : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].
فحياته عليه الصلاة والسلام تقدم إلينا نماذج سامية للإنسان في جميع مراحل حياته، ومهما تقلب في الأماكن والوظائف، ففي سيرته أمثلة للشاب المستقيم في سلوكه، الأمين مع قومه وأصحابه، كما تقدم النموذج الرائع للداعي إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، الباذل منتهى الطاقة في سبيل إبلاغ رسالته، ولرئيس الدولة الذي يسوس الأمور بحذق وحكمة بالغة، وللزوج المثالي في حسن معاملته، وللأب في حنو عاطفته، مع تفريق دقيق بين الحقوق والواجبات لكل من الزوجة والأولاد، وللقائد الحربي الماهر والسياسي الصادق المحنك، للمسلم الجامع بين واجب التعبد والتبتل لربه، والمعاشرة الفكاهة اللطيفة مع أهله وأصحابه.
فمن السيرة النبوية نتعلم مناهج الحياة ويستفيد الجميع كل حسب مكانه من السيرة النبوية، ونتعرف على النموذج الأمثل ونعرف دقائق حياته حتى يتسنى لنا إتباعه فهو النموذج الذي أراده الله من الخلق، وهو الإنسان الكامل صلى الله عليه وسلم.
الكامن وراء الحضارة الإسلامية
نريد معرفة الكامن ورائها. فما هي هذه العلامات وهذه العناصر التي أدت بنا لأن نصف الإسلام بأنه حضارة قد شاعت في الأرض وذاعت وعلمت البشرية من طنجة إلى جاكارتا ومن غانا إلى فرغانة.
ما الذي وراء هذه المظاهر وهذه العناصر وعلام تدل ؟ ما الذي كان يقوم في قلب ذلك المسلم الذي قام بهذه الحضارة ؟
إن الحضارة الإسلامية مركبة قد ننظر فيها في التاريخ أو في الفنون أو في الآداب أو في العلوم أو في الحياة أو في غير ذلك من المجالات فنرى أنها تمثل حضارة.
لو تأملنا في التاريخ لوجدناها أمةً فريدةً من نوعها، دخلت البلاد وانسالت في الأرض يمينًا وشمالاً حتى وصلت إلى الأندلس وإلى الصين والهند، لكنها لم تقع في جريمة الاستعمار وجريمة الاستعمار تتمثل في احتلال البلاد ثم أخذ مواردها إلى البلاد الأصلية لنبنى بها بلادنا ونترك هذه البلاد المحتلة فقيرة مثل ما فعل فينا الإنجليز والفرنسيون والبولنديون والبرتغال والأسبان، ذهبوا إلى الدنيا وفتشوا عن ثرواتها وأخذوها وحملوها إلى بلادهم وبنوا المدن الفوقية والتحتية وعاشوا في رفاهة وتركوا تلك البلاد في غاية الفقر والتفكك والمجاعة في آسيا وفي إفريقيا وفي كل العالم.
لم يفعل المسلمون ذلك وظل الحجاز أفقر بلاد الله على وجه البسيطة حتى تفجَر البترول في هذه البلاد. لم يخرج المسلمون ويحملون كنوز مصر والشام ويحملونها إلى الحجاز من أجل أن يصبح العرب أغنياء العالم والعالم فقراء..أبدًا.
التاريخ يبين لنا أننا لم نبد أبدًا شعوبًا، فمازالت الهندوكية في الهند إلى الآن بعد سيطرة المسلمين عليها إلى سنة 1936 آخر سلطان مسلم السلطان محمود في حيدر آباد كان موجودًا وانتهى ملكة 1936 يعنى من 70 سنة فقط كان المسلمون يسيطرون على الهند، وبالرغم من ذلك فإن الهنادكة الذين يقدسون البقر مازالوا يعيشون إلى يومنا هذا بل هم الأغلبية في هذه البلاد.
ومازال أهل الأديان طرًا من مجوس ومن مسيحيين ومن يهود ومن غيرهم يعيشون في أوساط بلادنا إلى يومنا هذا. لم يتجرأ المسلمون أن يبيدوا سكان هذه البلاد إبادات جماعية كما حصل في الهنود الحمر ولا كما حصل في أستراليا ولا كما حصل في تسمانيا وآخر امرأة ماتت في تسمانيا 1830، كانت آ خر امرأة ماتت من السكان الأصليين.
لم يعطوهم [البطاطين] التي فيها ميكروب الجدري حتى يموت من مات في قصة الجذور كما جاءت.
لم يتصور المسلمون أبدًا أن يستعبدوا الناس بل ليست هناك أمة صيرت عبيدها حكامها سوى المسلمين، المسلمون فقط. في تاريخهم فترة تسمى بفترة المماليك، تولى العبد الحكم، لم يعذب مثل ما عذب صاحب الجذور، والجذور رواية أمريكية تشرح كيف استعبد الزنوج في أمريكا بأبشع الصور حتى صارت التفرقة العنصرية صارت سبة في تاريخ هؤلاء الناس. لم يكن عندنا هذه السبة بل إننا لم نكرم العبيد فقط ونحسن إليهم...لا... لأن كانت لديهم كفاءات من تعلم اللغات، من القدرة على القتال، من إدارة الشئون فعّيناهم حكامًا لنا. إذن هذا أمر لا يصدق، أن يصل الحال بالحضارة إلى هذا المستوى. لو تأملنا لما وجدنا أمة في الأرض فعلت ذلك .
هذا التاريخ الذي نرى فيه أكثر من 90 امرأة قد وصلن إلى الشأن العام إن صح التعبير. (شجر) تولت الحكم، (ثمل) تولت القضاء، ونرى فرنسا لم يتولَ شأنها إلى الآن امرأة والأمر منفتح الدستور يجيز إلا أنه لم يتولَ الحكم في أمريكا وإلى الآن لا امرأة ولا أسود وهكذا.
ليست هناك تفرقة عنصرية في ديننا، ليست هناك تفرقة عنصرية، فلم يدخل في تاريخنا هذا ثم تبنا عنه أو رجعنا أو كذا. إلى آخره، تاريخ نظيف يمثل حضارة نظيفة
رأينا الفنون والآداب، رأينا إبداعات، إذا ما توغّلنا في الحضارة الفرعونية وتوغلنا في الحضارة الرومانية واليونانية والإغريقية وجدنا لها نمطًا ولكن الحضارة الإسلامية لها نمط آخر في الفنون تمثل في استعمال الأشكال الهندسية، تمثل في تكرار الوحدات بصورة مطلقة، تمثل في استعمال محاكاة الخلق كرسم الشمس وكرسم القمر ورسم السحاب ورسم النباتات والفاكهة والثمار والبحار والأشجار، تمثل في استعمال الخط العربي كنوع من أنواع الزخرفة الراقية التي تتسق مع الخلق الإلهي، لأن ابن مقلة أوحى الله إليه تسديس الخط كما أوحى للنحل بتسديس بيوتها كما يقول أبو حيان التوحيدي.
ابن مقلة قال: إن كلام الله قد نزل على نسبة إلهية فاضلة. التي نسميها الآن النسبة الطبيعية وهى 22/7 الخاصة بالدائرة فلابد أن يكتب كلامه بخط فيه نسبة إلهية فاضلة، ففكر حتى اكتشف أن الألف التي تمثل قطر الدائرة المرسوم بداخلها المسدس الدائري يمكن أن تصير ميزانًا للخط فجعلها ميزانًا للخط، وجعل النقطة هي المحصورة بين الوتر والقوس وعلى ذلك فطول ذلك القطر 8 نقاط، فالألف طولها 8 نقاط وعلى ذلك فقس فتكتب الحاء نقطة هنا ونقطة هنا، تكتب التاء تكتب الباء تكتب النون تكتب كل الحروف منسوبة إلى الألف على أساس أنها 8 نقاط، وإذا اشتريت مشقا وهو كراسة الخط تجد فيها النقاط هذه وقد لا يدري كثير منا ما سر هذه النقاط.
هذه نقاط منسوبة إلى الألف التي هي 8 نقاط باعتبار أنها قطر دائرة فيها مسدس بالداخل. لماذا تفعل هذا يا ابن مقلة؟ حتى يكتب القرآن بخط بديع متفرد ليس هناك خط مثله في العالم أبدًا وهو أن بين الحروف نسب، هذه النسب هي نسب إلهية فاضلة، فكما أنزل الله القرآن على نسبة إلهية فاضلة محيرة للعقول فترى جرس القرآن فتتمتع به وتعلم أنه قرآن يحفظه الصغير والكبير كمعجزة من عند رب العالمين، فإذ بك تكتبه أيضا بهذه النسبة الفاضلة التي تخرج بعدها منها باتساق وجمال.
فنون.. إبداع..لكنه إبداع ملتزم، لكنه إبداع فيه نوع من أنواع العبادة والاستنارة وتحويل المعلومات وربطها مع رب العالمين الذي خلق فسوى وقدر فهدى.
فنريد أن ننبه إلى أن هناك شيئًا يسمى بالحضارة الإسلامية وأنه قد راعى الحياة، قد راعى العلوم فتولدت علوم لم يكن لها مثيل من قبل: علم أصول الفقه، علم الرواية والتوثيق سواء في القراءات أو في الحديث، علوم جديدة لم تعرف البشرية أبدًا لها مثيل ولكن بعد ذلك حاولوا في الهرمونوطيقا أن يقلدوا أصول الفقه :علم نشأ من أجل فهم الكتب أو النصوص بدأت أولاً في نشأة دينية بفهم الكتب المقدسة ثم بعد ذلك تحولت إلى فهم النص الأدبي مع شلايماخر في ألمانيا سنة 1834 ميت.
وأصبحت الهرمونوطيقا نوعًا من علوم تفسير النص، هذا التفسير للنص يدرس الآن في المدرسة الألمانية وفي تركيا وكذا إلى آخره وكلما نحاول أن نستفيد منه فاتحين آذاننا للعالمين فيما وصلوا إليه نرى أن الأصوليين من المسلمين قد وصلوا إلى ما هو أعمق من ذلك بآلاف المرات في صورة مبهرة لا تجعلنا إذا أردنا الإنصاف إلا أن نقول سبحان الله. تراثنا الذي بين أيدينا فيه من الكنوز ما فاق هذا وغطاه ووصل إلى أبعد مدى بعده.
في هذه الهرمونوطيقا يتكلمون عن النص والمفسر والمخاطب، ويتكلم الأصوليون على أن الاستعمال من صفة المتكلم والحمل من صفة السامع والوضع قبلهما، فنرى أن البون شاسع بين هذا وذاك : هذا يتكلم عن ظاهر الأمر وهذا وصل إلى فلسفة اللغة بحيث إنه جعل اللغة الموروثة جزءا لا يتجزأ من الخطاب استعمالاً وحملاً، وتكلم بعد ذلك في دقائقها حقيقةً ومجازًا واشتراكًا وترادفًا وسياقًا وسباقًا ولحاقًا ودلالات للألفاظ مطابقة ودلالة التضمن ودلالة الالتزام ودلالة الفرض ....ما هذا؟!، هذا شيء بديع يقف أمامه الإنسان وهو يقارن بين المدرستين وحيثما تطورت .. بيرطان وهيبتر وكذا إلى آخره وهناك شيء آخر، شيء أعمق بكثير، هل اطّلع هؤلاء على هذا؟ لا نريد أن ندخل في هذا، لكن معنا شيء نستطيع أن نصنع منه أشياء .
الحياة التي رأينا فيها مساقي للكلاب في الحضارة الإسلامية، لم تقتصر المسألة على رعاية الإنسان واحترامه بل وصل إلى رعاية الكلاب، وجعل أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها وأن امرأة دخلت الجنة في كلب وجدته عطشان فسقته فدخلت الجنة، ففهم المسلمون من هذا فهمًا. ما الكامن وراء ما كان بجوار بيت القاضي وراء سيدنا الحسين عندما نذهب نجد مساقي الكلاب.
ما الكامن في أن على الخواص رضي الله عنه وكان رجلاً عاميًا لكنه يحفظ القرآن، يذهب بالليل ويعبد الله بأن ينظف مساقي الكلاب -للكلاب التي في الشوارع – ما الكامن في هذا؟ يذهب إلى دورات المياه لينظفها في المساجد ويخرج لينظف مساقي الكلاب وهو من كبار أولياء الله الصالحين؟.
مثل هذا الإنسان كيف كان يفكر؟ وما الذي كونه مثل هذا؟، ما الكامن وراء هذا التصرف؟ هذا هو سؤالنا -في هذه المحاضرة – ما الكامن في الحضارة الإسلامية؟
الحضارة الإسلامية موجودة بلا شك، موجودة في صورة التاريخ، الفنون، الآداب، العلوم، الحياة وغير ذلك من المجالات ولكن...ما الذي كان وراء هذا كله؟
أرى أن وراء هذا كله إنساناً .. إنسانًا آمن بالرحمن، إنساناً آمن بالإنسان، إنساناً آمن برعاية الأكوان وأن هذا هو الكامن وراء الحضارة الإسلامية. الإيمان بالرحمن، الإيمان بالإنسان، الإيمان برعاية الأكوان.
وهيا بنا ننظر إلى هذه الثلاثة فقط، لأن هناك عناصر كثيرة لا يتسع الوقت للاستفاضة فيها لكن هذه الثلاثة تبين لنا المراد من عنوان هذه المحاضرة لاستطلاع الكامن من وراء هذه الحضارة التي رأيناها وسمعناها وعشنا في بعضها وغاب عنا الكثير منها .
آمنت بالرحمن فماذا حدث؟ إنها آمنت بأن هناك إلهاً واحدًا إذن فالوحدانية كانت مستقرة في عقيدة هذا الإنسان الذي أبدع هذه الحضارة، هذه الوحدانية اجتمعت أيضًا مع المفارقة فالربُ ربُ والعبدُ عبدُ وهناك فارقٌ بين المخلوق والخالق، فهذه المفارقة منعت أن يعتقد الإنسانُ قداسة الأكوان وأن يعتقد الإنسانُ الحلول والاتحاد وأن يعتقد الإنسان أنه ليس هناك إله خارج هذا الكون، منع الإله المفارق والمفارقة هنا معناها أنه ليس حالاً في الكون ولا في شيء منه ولذلك فليس هناك جزء إلهي في هذا العالم .
أثرت كثيرًا هذه العقيدة في التعامل مع الكون الذي آمن برعايته أنه هو سيرعى هذا الكون، سنرى الآن ما موقفه من الأكوان، لكنه لم يكن موقف عبادة، لم يكن موقف قداسة تمنعه من أن يتعامل مع الكون عمارة. آمن بالرحمن فآمن بالوحدانية وآمن بأنه إله مفارق والمفارق هنا فضل فيه تفصيل في علم الكلام، أنه لا متصل ولا منفصل ولا خارج الكون ولا داخل الكون لأنه ليس كمثله شيء لأنه ليس كالأجسام، لأنه سبحانه وتعالى رب ونحن مخلوقات، والله كان ولم يكن شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان؛ العقائد التي ندرسها في الأزهر تصور ما نعبد، نعبد إلها عظيما لا علاقة له في حلوله بالكون حتى لا يكون جزء من الكون مقدسًا قداسة إلهية تمنعنا من التعامل معه. هذا هو عقل المسلم الذي سعى في الأرض وعمرها وأنشأ وفعل وترك وكذا إلى آخره، هذا هو الكامن في الحضارة الإسلامية .
آمن أيضا بالتجلي الإلهي، أن الله سبحانه وتعالى وراء كل شيء ( فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ). ([1])، (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ). ([2])
(وفي كل شيء له آية * تدل على أنه الواحد)
مستحضر الله في كل شيء فماذا يفعل التجلي الإلهي؟ يجعل الإنسان مستحضرًا لله في كل شيء، في كل سكنة، في كل حركة، وعندما تقرأ الحكم لابن عطاء الله تجدها كلها مبنية على هذا، إنه لا حول ولا قوة بي ولا لي وإنما الحول والقوة لله وبالله فلا حول ولا قوة إلا بالله، وأن الأمر كله بيد الله، ومع ذلك فإن الاعتماد على الأسباب شرك وترك الأسباب جهل، فلما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يخرج إلى أُُحُد خالف بين درعين فأخذ بالأسباب حتى قال إن حقيقة التوكل الأخذ بالأسباب «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير تغدوا خماصا وتروح بطانا »، قال العلماء فهناك تغدو وتروح، لم تمكث في وكناتها والطير في وكناتها، لا ليس في وكناتها بل أخذت بعضها ومشيت ورجعت فربنا رزقها، تغدو وتروح في هنا حركة. إذن لا تترك الأسباب ولكن لا يعتمد عليها فالفلاح يلقى الحب ثم يدعو ويقول يا رب . هذا هو المسلم الذي كان وراء الحضارة يؤمن بالتجلي الإلهي.
والتجلي الإلهي له أسماء، أسماء الله الحسنى 153 اسمًا في القرآن، 164 اسمًا في السُنّة مع حذف المكرر يكون 220 اسمًا هي تمثل منظومة القيم التي عاشها المؤمنون، بعضها للجمال وبعضها للجلال وبعضها للكمال، فالجمال: الرحمن الرحيم العفو الغفور الرءوف، الجلال: المنتقم الجبار العظيم شديد المحال جلّ جلال الله، الكمال: الأول الآخر الظاهر الباطن الضار النافع المعز المذل السميع البصير –كمال، وهذا ما يسمونه الأسماء المزدوجة، فالأول الآخر مع بعض كلاهما اسم، الضار النافع اسم، الظاهر الباطن اسم لأنه بها الكمال المطلق لله رب العالمين. هذه المنظومة التجلي والتحلي والتخلي، الأول تخلي قلبك من القبيح ثم تحليه بالصحيح ثم يحدث التجلي فيتجلى الله بأنواره وأسراره في قلبك فتخرج من دائرة الحيرة إلى دائرة الرضا، ( أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ). ([3])
آمنوا بالمطلق إنه في عدل، هناك أناس آخرين لم يؤمنوا بالمطلق وقولوا هل هناك عدل؟ العدل نسبي فما يفعلونه في جنوب أفريقيا غير الذي يفعلونه في فلسطين سبحان الله! ليست هي هي؟ هنا فيه ناس متحكمين وهنا ناس متحكمين!! أبدًا هذا غير هذا، إذن نزن بميزانين ونكيل بمكيالين لكن أولئك -المسلمين- لم يفعلوا هذا، الحق حق والباطل باطل والعدل عدل والظلم ظلم. الإنسان الذي آمن بالمطلق غير الإنسان الذي نفى المطلق من الحياة. آمنوا بالتكليف أن الله سبحانه وتعالى أمر ونهي، فهناك تكليف في هذا الكون لم يخلقنا عبثًا، لم يتركنا في هذه الحياة الدنيا إلا وقد حدد لنا ما هو المطلوب منا بافعل ولا تفعل ( قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ).([4]) فهناك أوامر زواجر وعلى ذلك واجب مندوب وهناك مباح وهناك حرام ومكروه وأصبحت الأحكام خمسة والإنسان دائر بينها، بين الإقدام والإحجام وهو يعمل يقول لا ذلك حتى لا يغضب ربنا عليّّّّ، إذن التكليف له أثر في سلوكه. نعم هذا الإنسان لم يرسم رسومات، لماذا؟ قال: لأن الشرع قد أمرنا بأن لا ترسموا وإنه لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب أو صورة وأنا فاهم الصورة على إنها تمثال فلا داعي للتماثيل. الحضارة الرومانية مليئة بالتماثيل، الحضارة الفرعونية مليئة بالتماثيل، هو لما عمل هذا قال لا داعي للتماثيل، لكن لم يسكت، أثر هذا بعد ما تبنى هذا التبني في اختياره لنمط جديد بديع، ماذا يعنى بديع؟ يعنى أنه جعله شيئًا جديدًا فيه إبداع وليس ابتداع، الذي هو الفن الإسلامي والزخرفة والخطوط و.....و إلى آخره.
إذن هو قد عمل ووصل إلى غاية الإبداع الملتزم بالتكليف الذي ضمّه لأنه هناك علماء قالوا هذه الرأس إذا ذهبت فلا صورة استنادًا لحديث أخرجه البزار، فقال لن أعمل الصور على الإطلاق بل سأفكر في جانب آخر ففكر وأبدع آمن باليوم الآخر الجنة والنار والحساب والعقاب والثواب، آمن باليوم الآخر ولذلك راعى ربنا، لم يؤمن بالتناسخ والتفاسخ والتراسخ ما آمنت به حضارات أخرى، إنه ليس هناك يوم آخر وأن الروح ستخرج مني وستدخل في إن كنت خير ستدخل في واحد غنى وإن كنت شرير فستدخل في ثعلب أو ديب أو ثعبان أو تدخل في نبات وهذا ما يسمونه التراسخ، هناك تناسخ وهناك تفاسخ وهناك تراسخ، التراسخ في النبات، التفاسخ في الجماد والتناسخ في الحياة المتحركة بالإرادة والذي هو الحيوان أي الإنسان أو الحيوان. التناسخ والتفاسخ والتراسخ.
هذه أمة آمنت بالرحمن التي جعلت الإنسان إنسان حضارة.
أمة آمنت بالإنسان، «آمنت بالإنسان» هذا عنوان لكتاب كتبه الدكتور محمد غلاب رحمه الله وكان أستاذًا في أصول الدين شعر أن هذا البند وراء الإنسان وراء الحضارة الإسلامية، هو الكامن وراء الحضارة الإسلامية.
ماذا فعلوا : قالوا تقديم الساجد قبل المساجد، انظر الكلام، فهل ترى الثقافة السائدة، أن ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع، هذا إنسان، لم ير أن نعطى للجامع أولاً على حساب خراب البيت؛ لأن الإنسان قبل البنيان، هذا الكلام قد أثر، تدخل معابد غير المسلمين تجدها في غاية الفخامة ومذهبه وأنفقوا عليها ملايين في حين تدخل أعظم مساجد المسلمين تجدها محدودة – لماذا ؟؛ لأن الإنسان قبل البنيان، لأن الساجد قبل المساجد، أعظم ما هنالك من بنيان.
آمن المسلمون بعناصر الجدية، مجموعة من أحاديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تقول: كن جادًا في حياتك، الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، يقول الإمام الشافعي: صاحبت الصوفية فاستفدت منهم الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :لا تزول (وفي رواية لا تزولا) قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه.....) الوقت، قيمة الوقت. وقد ألف أبو الوفاء ابن عقيل كتابًا كبيرًا أسماه الفنون في 800 مجلد لو طبع الآن يغطى جدران قاعة كبيرة.
وأبو الوفاء ابن عقيل كان يسفّ الأرز ولا يأكل الخبز فسئل في ذلك هل الخبز فيه شيء؟ فقال لا ولكن هذه أكلة تأخذ منى وقتًا أكثر من الأكلة ولا أحب أن أضيّع وقتي، وكان عندما يتعب يبرى الأقلام ويجهز الورق وكان عندما يدخل دورة المياه يحضر اثنان من العبيد يقرأون بصوت مرتفع حتى لا يضيع الوقت لأنه ليس لديه وقت. ما هذا ؟؟ ما هذا الإنسان؟ جاد في الحياة، عمل كتاب اسمه الفنون وصل إلينا منه مجلدان طبعا بيروت سنة 1964 جمع فيه علوم الإسلام لكن لأنه كتاب كبير لم تتحمله الهمة كما يقولون فهو كتاب ضخم كبير.
أبو الفرج ابن الجوزي ألف كتابًا أسماه «لفتة الكبد في نصيحة الولد» ينصح فيه ابنه، وقال له يا بنى إن أكثر الناس لا يعرفون حقيقة الدنيا وأنها إلى زوال فترى الناس يأتون ويتكلمون في غلاء الأسعار وفي الحكام، فمن وقتها وهم يتكلمون في الحكام حتى اليوم وغلاء الأسعار فاشتغل بتجهيز الكتب وكذا حتى ينصرفوا، يعنى أنا مشغول عنهم لأنه ليس لديه وقت وهكذا. هذا الإنسان يحافظ على الأوقات.
المحافظة على العلم، العمل في روح الفريق (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل).([5])، (إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملا أن يتقنه).، (الدين النصيحة)([6])، كل هذه الأشياء طبقوها، حولوها من أوامر ونواهي وموعظة ووصية إلى حياه وبرنامج معيش يستطيع الإنسان فيه وبه ومن خلاله أن يوصف بأنه جاد في حياته، وتأتى منظومة القيم المأخوذة من الأسماء الحسنى لكي لا يكون حادًا، فهناك بعض الناس جاد وحاد لكن هذا جاد لكنه ليس بحاد، إنما صبور وحلو وداخله أبيض وخارجه أبيض.
"آمنت بالإنسان" كانت كامنة وراء الحضارة الإسلامية فهي حضارة إنسانية. لم يقتصر الأمر على هذا بل إنها آمنت في مصادرها وتاريخها برعاية الأكوان، هذه الأكوان التي حولنا أول عقيدة فيها أنها مخلوقة وأنها فانية وأن لها ظاهرًا وباطناً وأنها تسبح، آمنوا بأن الكون يسبح (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ). ([7])، تخيل أن هذا الإنسان يؤمن أن هذا الخشب وهذا الشباك وهذا الحائط يسبح لله، كيف يتعامل معه؟ بدون شك بغير فساد ولا إفساد لبيئة ولا لغيرها.
آمنوا بأن هذا الكون يسجد، وكانوا إذا سجدوا سجدوا مع الكون لرب العالمين إذن هو يشعر بأنه في تيار يسير في تجاه رب العالمين، ولذلك أسموه «الطريق إلى الله»، كلام له دلالة، الطريق آخره ربنا، (من سلك طريقا يلتمس فيه علما).([8]) أي منهجًا يلتمس فيه علمًا، حياه، آمنوا بأن هذا الكون مسخر لنا، آمنوا بأن له ظاهر وحقيقة لذلك لم يتعارض الدين مع العلم أبدا، آمنوا بأننا لابد من أن نقرأ الكونين ابن العربي والرازي أسموه كتاب الله المنظور وكتاب الله المسطور، الكون كتاب الله المنظور والقرآن كتاب الله المسطور، ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ )([9]) أي نقرأ الكون، ( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ)([10]) يعيد القراءة مرة أخرى، ( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم[11]ِ ) يعني الوحي، ( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) ([12])، الوحي، القلم إشارة إلى الوحي، أول ما خلق الله خلق القلم «فقال اجر بما كان...»([13]) إلى آخره.
فالقلم دلاله وإشارة إلى الوحي، إذن سأقرأ قرآتان والقرآتان من عند الله، الكون من عند الله خلقا والوحي من عند الله أمرًا، لأن كلام الله ليس بمخلوق، وهذا ما درسناه في الأزهر أن كلام الله ليس بمخلوق. " أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ"([14]) انظر كيف والواو للمبالغة، (تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)([15]) إذن الله له هذا الكون وله هذا الوحي وكلاهما صدر عن الله فلا تناقض فكلما قرأوا في الكتاب المنظور وجدوه في الكتاب المسطور وكلما قرأوا في المسطور لا يعارضه المنظور، فلم يحدث أصلاً إشكال بين العلم والدين، حصل في نصوص أخرى، في حضارة أخرى في ثقافة أخرى في الشرق والغرب لكنه لم يحدث عند المسلمين ولذلك استدلال عداء العلم مع الدين في جانب المسلمين ليس عادلاً وليس صحيحًا.
آمنت بالرحمن أو آمنت بالرحمن هذه الحضارة، آمنت بالإنسان أو آمنت بالإنسان، آمنت وآمنت برعاية الأكوان التي جعلتني أتعامل مع هذا الكون بهذه الصفات التي كلها موجودة في القرآن وفى السُّنَّةَ، هذا الإنسان الحضاري، هذا الإنسان الذي سيعالج كل المشكلات بعد ذلك بهذه العقلية: أنه مخلوق، أنه محل التجلي الإلهي، أنه مكلف، أنه يؤمن بالآخرة، أنه مؤمن بالإنسان، أنه يرعى الأكوان، أن هذا الكون يسبح معه ويسجد معه ومسخر له فهو يأكل اللحم لكن بإذن الله وتحت سلطان الله ويذبح باسم الله وليس إبادة لنوع البقر ولا الجاموس ولا الأنعام إنما يفعلها حتى يتقوى، حتى يتمتع بمائدة الله التي جعلها له لأن هذا الكون مائدة الله، هذه هي النظرة وهذا ما انبثق منه هذا التاريخ وهذا ما انبثقت منه هذه الحضارة والفنون والآداب والحياة فيما لا ينتهي من الكلام.
هذه الحضارة نامت فهل ماتت؟ هذا سؤال، الحضارة التي نتكلم عنها هذه نحن نراها أنها ليست هي التي لها القيادة والريادة، نامت فهل ماتت؟. الحضارة التي ماتت الحضارة الفرعونية ذهبت لغتها ذهبت عقائدها ذهبت رؤيتها للحياة والكون أما حضارتنا لازالت لغتها باقية ولازلنا نتكلم بها، لازال محورها وهو النص الشريف الكريم الذي أذن الله أن يكون حبلاً بين رب العالمين والناس أجمعين إلى يوم الدين مازال باقيًا، القرآن الكريم.
وحتى هذه اللحظة لم يمت المسلمون بل ينتشرون فأصبحوا طبقًا لموسوعة جينيز مليار وثلث وأصبحوا أكثر الناس تبعًا لدين، ومازال اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتردد في الآفاق في الآذان خمس مرات في اليوم وأشهد أن محمدًا رسول الله، ومازال من تسمى بمحمد هو أعلى نسبة من تسمى في الأرض باسم أكثر من سبعين مليون فلو أضفت أحمد ومصطفي وسائر أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فليس هناك مقارنة فهذا شيء كبير جداً (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ).([16])
إذن فهناك نوم وليس هناك موت، لم تمت الحضارة الإسلامية. نحن مازالت البشرية تحتاجنا، مازالوا في حاجة إلينا، مازالوا في حاجة إلى أن نعلمهم أن لابد أن يرجعوا إلى الإيمان بالرحمن والإيمان بالإنسان والإيمان برعاية الأكوان. حقوق الإنسان عندنا كنا سميناها المقاصد الشرعية الكبرى : حفظ النفس والعقل والدين وكرامة الإنسان كنا نسميها العرض والمال الذي هو الملك، مازال العقلاء من البشر يحافظون عليها وأهل الشهوات يدعونهم على الخروج عليها أما أولئك فقد كتبوها على الحجر وحرموها البشر، لما تذهب إلى الأمم المتحدة تجد حقوق الإنسان لسنة 1947 مكتوبة على الحجر وأين هي عند البشر ؟ نسأل الله السلامة، ولكن ينبغي علينا أن نؤمن بأن الحضارة وإن كانت قد نامت إلا أنها لم تمت فيمكن أن نوقظها ونوقظها لمصلحة البشرية جمعاء حتى يتمتعون بهذا البهاء وبهذا الجمال وبهذه الحلاوة التي عاشتها البشرية في ظل هذه الحضارة، حضارة التعدد الفكري والسياسي والديني والعرقي وعاشوا في سلام وأمان وجاء الناس من كل صوب يحتمون بالمسلمين فحموهم.
بعد مائة سنة كان هنا في مصر 1% من المسلمين و99 غير مسلم بعد مائة سنة من دخول العرب بعد 250 سنة 25% مسلمين و75% غير مسلمين، بعد 750 سنة أصبح هؤلاء أكثر من تسعين أو خمس وتسعين بالمائة والآخرين (الغير مسلمين) 5%، فأين هو السيف والإكراه فليس هناك أي أثر تاريخي لهذه الدعاوي الباطلة الظالمة التي نسبت إلينا ونحن منها براء بل كان الإنسان إنسان حضارة، عبد الله وعمر الكون وزكى النفس ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ).([17])
إذن فالحضارة كالمرآة غبش عليها فنريد إزالة الغبش من المرآة حتى تصير مرة أخرى المصقولة السوية، لا المرآة المحدبة التي تغير الواقع والتي حين تقف أمامها ترى نفسك فتلة ولا المرآة المقعرة التي تجعلك تبدو سمينًا وأنت في الحقيقة رفيع، هذه تحكي غير الواقع من انعكاس الضوء لتحديبها وتقعيرها، نحن نريد المرآة المصقولة حيثما كانت. التغبيش قد يحدث في بعض جوانب حياتنا تحديبا وفي بعضها تقعيرًا فتظهر الحضارة الإسلامية متناقضة مطموسة وهذا هو معنى نومها لكنها الحمد لله لم تكسر هذه المرآة بل هي موجودة في وجداننا وثقافاتنا وفي كل شيء نمارسه من مصادرنا ومن حياتنا فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين من غير حول منا ولا قوة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) سورة البروج الآية 16
[2] ) سورة الأنبياء الآية 23
[3] ) سورة الرعد الآية 28
[4] ) سورة النور الآية 54
[5]) رواه البخاري 5/2373 ومسلم 1/541
[6]) مسند أحمد 4/102 ، فتح الباري 4/371
[7] ) سورة الإسراء الآية 44
[8]) المستدرك على الصحيحين 1/165
[9] ) سورة العلق الآية 1
[10] ) سورة العلق الآية 3
[11] ) سورة العلق الآيات 4،3
[12] ) سورة القلم الآية 1
[13]) فتح الباري 6/289
[14] ) سورة الأعراف الآية 54
[15] ) سورة الأعراف الآية 54
[16] ) سورة الشرح الآية 4
[17]) سورة الشمس الآيات 10،9
عناصر الحضارة عامة وعناصر حضارة المسلمين خاصة
مظاهر الحضارة عامة :
للحضارة عمومًا مظاهر تعرف بها منها المظهر السياسي : ويبحث في هيكل الحكم، ونوع الحكومة، ملكية أم جمهورية، دستورية أم مطلقة. والمظهر الاقتصادي: ويبحث في موارد الثروة ووسائل الإنتاج الزراعي والصناعي، وتبادل المنتجات. المظهر الاجتماعي:ويبحث في تكون المجتمع ونظمه وحياة الأسرة، والمرأة، وطبقات المجتمع. والمظهر الفكري: ويبحث في النتاج الفكري من فلسفة وعلم وأدب. والديني: ويبحث في المعتقدات الدينية، والعبادات،وعلاقة الإنسان ونظرية الكون والحياة. والفني:ويبحث في الفن المعماري والنحت والرسم والموسيقى. وغيرها.
مصادر الحضارة :
أهم مصدر من مصادر الحضارة الكتابة والكتابة أهم وسيلة لتدوين حضارة الإنسان، لقد أصبحت اللغة المكتوبة وسيلة الحضارة والعلم والتربية لأنها تعطي المعرفة البشرية وصفة الدوام.
إن الوثائق المكتوبة بالإضافة للآثار المادية تعتبر مصادر الحضارة. ويزداد شأن الآثار المادية كلما أوغلنا رجوعاً إلي الزمن فمعظم الحضارات السالفة سجلت على آثارها ما تريد قوله بكتابات شتى.
ويتم الاتصال بين الحضارات، وبالتالي انتقالها عن طريق: الغزو، أو الفتح، أو الحكم الأجنبي، أو الهجرة و السياحة والتجارة والجوار.
مظاهر الحضارة الإسلامية :
كانت صناعة الكتب منتشرة في كل أنحاء [العالم الإسلامي] وكانت [الحضارة الإسلامية] تدور حول الكتب. فقد كانت توجد المكتبات الملكية والعامة والخاصة في كل مكان حيث كانت تجارة الكتب ومهنة النساخة رائجة وكان يقتنيها كل طبقات [المجتمع الإسلامي] الذين كانوا يقبلون عليها إقبالاً منقطع النظير .وكان سبب هذا الرواج صناعة الورق ببغداد وسمرقند .وكانت المكتبات تُتيح فُرص الاستعارة الخارجية .وكانت منتشرة في كل الولايات والمدن الإسلامية بالقاهرة وحلب وإيران ووسط آسيا وبلاد الرافدين والأندلس وشمال أفريقيا .وكانت شبكات المكتبات قد وصلت في كل مكان بالعالم الإسلامي.
وكان الكتاب الذي يصدر في بغداد أو دمشق تحمله القوافلُ التجارية فوق الجمال ليصل لقرطبة بأسبانيا في غضون شهر . وهذا الرواج قد حقق الوحدة الثقافية وانتشار اللغة العربية. وكانت هي اللغة العلمية والثقافية في شتى الديار الإسلامية.
كما كان يعني بالنسخ والورق والتجليد . مما جعل صناعة الكتب صناعة مزدهرة في العالم الإسلامي لإقبال القراء والدارسين عليها واقتنائها. وكانت هذه الكتب تتناول شتى فروع المعرفة والخط وعلوم القرآن وتفاسيره واللغة العربية والشعر والرحلات والسير والتراث والمصاحف وغيرها من آلاف عناوين الكتب. وهذه النهضة الثقافية كانت كافية لازدهار الحضارة الإسلامية وتميزها وتطورها.
في نهايات القرن الثامن الميلادي أنشأ المسلمون بيت الحكمة وهو ما يمكن أن نسميه في أيامنا هذه بأكاديمية البحث العلمي وكان ذلك في عاصمة الخلافة العباسية ببغداد، وأقاموا به مرصدًا ومكتبة ضخمة، كما أقاموا مرصدًا ثانيًا في سهل تدمر بالشام، وجمع المخطوطات من كل الدنيا لتترجم علومها، وكان يشجع الدارسين مهما تنوعت دراستهم، وحقق بهذا التوجه قفزة حضارية غير مسبوقة رغم وجود النهضة العلمية وقتها.
وقد قام الفلكيون في تدمر في بتحديد ميل خسوف القمر ووضعوا جداول لحركات الكواكب، وطلب منهم تحديد حجم الأرض، وقاسوا محيطها، فوجدوه 20400 ميلاً، وقطرها 6500 ميلاً. وهذا يدلُ علي أن العرب كانوا علي علم وقتها، بأن الأرض كروية قبل كويرنيق بخمسة قرون. كما طلب المأمون منهم وضع خريطة للأرض، وفي علم الفلك أثبتوا دورانها. وقياساتهم -تقريباً لها- تطابق ما قاسه علماء الفلك بالأقمار الصناعية.
وقد ظهرت عبقرية الخوارزمي في الزيج (جدول فلكي) الذي صنعه وأطلق عليه اسم «السند هند الصغير» وقد جمع فيه بين مذهب الهند، ومذهب الفرس، ومذهب بطليموس الإغريقي في الفلك، وصار لهذا الزيج أثر كبير في الشرق والغرب.
وابتكر المسلمون علوماً جديدة لم تكن معروفة قبلهم وسموها بأسمائها العربية كعلم الكيمياء وعلم الجبر وعلم المثلثات، ومن مطالعاتنا للتراث العلمي الإسلامي نجد أن علماء المسلمين قد ابتكروا المنهج العلمي في البحث والكتابة، وكان يعتمد علي التجربة والمشاهدة والاستنتاج، و أدخل العلماء المسلمون الرسوم التوضيحية في الكتب العلمية ورسوم الآلات والعمليات الجراحية، و رسم الخرائط الجغرافية والفلكية المفصلة.
وقد ابتدع المسلمون الموسوعات و القواميس العلمية حسب الحروف الأبجدية، وكان لاكتشاف صناعة الورق وانتشار حرفة (الوراقة) في العالم الإسلامي فضل في انتشار تأليف المخطوطات ونسخها.
مع هذه النهضة العلمية ظهرت الجامعات الإسلامية لأول مرة بالعالم الإسلامي قبل أوربا بقرنين، وكانت أول جامعة بيت الحكمة أنشئت في بغداد سنة 830 م, ثم تلاها جامعة القرويين سنة 859 م في فاس بالمغرب، ثم جامعة الأزهر سنة 970 م في القاهرة. بينما أنشئت أول جامعة أوروبية سنة 1090م في صقلية في مدينة سالرنو على عهد ملك صقلية روجر الثاني وقد أخذ فكرتها عن العرب هناك. ثم تلاها جامعة بادوا بايطاليا سنة 1222 م. وكانت الكتب العربية تدرس بها وقتها.
وقد ظهرت الجامعات الإسلامية بنظام وترتيب مبهر فكانت هناك تقاليد متبعة، حيث كان للطلاب زي موحد خاص بهم وللأساتذة زي خاص. وربما اختلف الزي من بلد إلي بلد ومن عصر إلي عصر. وقد أخذ الأوربيون عن الزي الجامعي الإسلامي الروب الجامعي المعمول به الآن في جامعاتهم، وكان الخلفاء والوزراء إذا أرادوا زيارة الجامعة الإسلامية يخلعون زي الإمارة والوزارة ويلبسون زي الجامعة قبل دخولها، وكانت اعتمادات الجامعات من إيرادات الأوقاف، فكان يصرف للطالب المستجد زي جديد وجراية لطعامه، وأغلبهم كان يتلقى منحة مالية بشكل راتب وهو ما يسمى في عصرنا بالمنحة الدراسية Scholarship .فكان التعليم للجميع بالمجان يستوي فيه العربي والأعجمي والأبيض والأسود.
وبالجامعات كانت توجد المدن الجامعية المجانية لسكنى الغرباء وكان يطلق عليها الأروقة. والطلبة كان يطلق عليهم المجاورون لسكناهم بجوارها. ونرى تلك الأسماء حاضرة بيننا الآن في جامع الأزهر الشريف، وكان بالجامعة الواحدة أجناس عديدة من الأمم والشعوب الإسلامية يعيشون في إخاء ومساواة تحت مظلة الإسلام والعلم. فكان من بينهم المغاربة والشوام والأكراد والأتراك وأهل الصين وبخارى وسمرقند. وحتى من مجاهل أفريقيا وآسيا وأوروبا. وكان نظام التدريس في حلقات بعضها يعقد داخل الفصول. وأكثرها كان في الخلاء بالساحات أو بجوار النافورات بالمساجد الكبرى، وكان لكل حلقة أستاذها يسجل طلابها والحضور والغياب، ولم يكن هناك سن للدارسين بهذه الجامعات المفتوحة، وكان بعض الخلفاء والحكام يحضرون هذه الحلقات،وكانوا يتنافسون في استجلاب العلماء المشهورين من أنحاء العالم الإسلامي، ويغرونهم بالرواتب والمناصب, ويقدمون لهم أقصى التسهيلات لأبحاثهم. وكان هذا يساعد على سرعة انتشار العلم وانتقال الحضارة الإسلامية بديار الإسلام.
كما كانت الدولة الإسلامية تعنى بالمرافق الخدماتية والعامة بشكل ملحوظ. فكانت تقيم المساجد ويلحق بها المكتبات العامة المزودة بأحدث الإصدارات في عصرها ودواوين الحكومة والحمامات العامة ومطاعم الفقراء وخانات المسافرين علي الطرق العامة ولاسيما طرق القوافل التجارية العالمية، وطرق الحج التراثية وإنشاء المدن والخانقاهات والتكايا المجانية للصوفية واليتامى والأرامل والفقراء وأبناء السبيل، وأقيمت الأسبلة لتقدم المياه للشرب بالشوارع.
وكان إنشاء البيمارستنات (المستشفيات الإسلامية) سمة متبعة في كل مكان بالدولة الإسلامية يقدم بها الخدمة المجانية من العلاج والدواء والغذاء ومساعدة أسر المرضى الموعزين.وكلمة باريمستان بالفارسية هو مكان تجمع المرضى، وكلمة مستشفى معناها بالعربية مكان طلب الشفاء؛ لهذا كان الهدف من إنشاء هذه المستشفيات غرضًا طبيًا وعلاجيًا، عكس المستشفيات في أوربا وقتها، كانت عبارة عن غرف للضيافة ملحقة بالكنائس والأديرة لتقدم الطعام لعابري السبيل أو ملاجيء للعجزة والعميان والمقعدين ولم تكن للتطبيب. وكان يطلقون علي هذه الغرف كلمة مضيفة Hospital، وهي مشتقة من كلمة ضيافة Hospitality. وأول مستشفى بني بإنجلترا في القرن 14م. بعد انحسار الحروب الصليبية علي المشرق العربي, بعدما أخذ الصليبيون نظام المستشفيات الإسلامية و الطب العربي عن العرب.
وكان أول مستشفى في الإسلام بناه الوليد بن عبد الملك سنة706 م (88 هـ) في دمشق. وكان الخلفاء المسلمون يتابعون إنشاء المستشفيات الإسلامية الخيرية باهتمام بالغ. ويختارون مواقعها المناسبة من حيث الموقع والبيئة الصالحة للاستشفاء والاتساع المكاني بعيدًا عن المناطق السكنية . وأول مستشفى للجذام بناه المسلمون في التاريخ سنة 707 م بدمشق.
في حين أن أوربا كانت تنظر إلى الجذام على إنه غضب من الله يستحق الإنسان عليه العقاب حتى أصدر الملك فيليب أمره سنة 1313 م بحرق جميع المجذومين في النار. وكانت المستشفيات العامة بها أقسام طب المسنين، بها أجنحة لكبار السن وأمراض الشيخوخة . وكانت توجد المستشفيات الخاصة. والمستوصفات لكبار الأطباء بالمستشفيات العامة .
وأقام المسلمون السدود الضخمة أيام العباسيين والفاطميين والأندلسيين فوق الأنهار كسد النهروان وسد الرستن وسد الفرات، كما أقاموا سور مجرى العيون بالقاهرة أيام صلاح الدين الأيوبي وكان ينقل الماء من فم الخليج علي النيل إلي القلعة فوق جبل المقطم . وكانت ساقية تدار بالحيوانات ترفع المياه لعشرة أمتار ليتدفق في القناة فوق السور وتسير بطريقة الأواني المستطرقة لتصل القلعة.
فالحضارة الإسلامية بالتوحيد والتنوع العرقي في الفنون والعلوم والعمارة طالما لا تخرج عن نطاق القواعد الإسلامية، ففي العمارة بنى أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي, على نهر دجلة عاصمته بغداد سنة (145- 149 هـ) على شكل دائري، وهو اتجاه جديد في بناء المدن الإسلامية، لأن مـعظم المدن الإسلامية، كانت إما مستطيلة كالفسطاط، أو مربعة كالقاهرة، أو بيضاوية كصنعاء. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن هذه المدن نشأت بجوار مرتفعات حالت دون استدارتها، ويعتبر تخطيط المدينة المدورة (بغداد)، ظاهرة جديدة في الفن المعماري الإسلامي ولاسيما في المدن الأخرى التي شيدها العباسيون مثل مدينة سامراء وما حوته من مساجد وقصور فخمة، وظهرت مدن تاريخية في ظلال الحكم الإسلامي كالكوفة والبصرة وبغداد والقاهرة والفسطاط والعسكر والقطائع والقيروان وفاس ومراكش والمهدية والجزائر وغيرها.
هناك الكثير من مظاهر حضارة المسلمين التي لا يختلف عليها المنصفون من المؤرخين لتاريخ العلوم والثقافات والحضارات إلا أن المسلمين اهتموا بالإنسان فجعلوا مقاصد الشريعة التي خاطبته والتي يخاطب بها الناس أجمعون وتتجاوز الزمان والمكان في جميع الأحوال خمسة، حفظ النفس : حتى تقوم حية قابلة للخطاب. وحفظ العقل : وعدم الاعتداء عليه بأي تسلط أو إكراه، بل هناك حفظ عليه في أساسه، وحفظ عليه في منهج تفكيره، وحفظ عليه في حريته وإبداعه حتى في مسائل الإيمان.
قال تعالى : (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ)([1]) و(لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)([2]) و(فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ).([3]) بالإضافة إلى حفظه بتحريم كل مسكر ومفتر قال تعالى : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ).([4]) وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر).([5]) وحفظ الدين : فإن الله يحب المتقين والصابرين والمتوكلين والمحسنين ولا يحب المفسدين ولا المتكبرين والخائنين. ويحب ولا يحب دستور الإنسان الحضاري. وحفظ كرامة الإنسان : التي سميت في تراثنا بالعرض.
ولقد أحيط بسياج كبير من الضمانات حرمت الاحتجاز القسري والاعتقال العشوائي والتعذيب للمتهم، وحرمت السب والقذف والاتهام المسبل عن الدليل، وحرمت التفرقة العنصرية بكافة أشكالها وغير ذلك كثير من حفظ حقوق الإنسان في كرامته. واهتم المسلمون بحفظ ملك الإنسان وحرمة الاعتداء على ماله واغتصاب حقه وجعل هذا من الكبائر التي تهدم الاجتماع البشري. ومن كل هذا بنيت الحضارة الإسلامية على مؤسسة القضاء.
وهنا يجدر أن نلاحظ مسألة غاية في الأهمية وهي أن الحقوق في الشريعة الإسلامية قد تحولت إلى واجبات فأصبحت واجبات يجب أن يحصلها وإلا يكون آثمًا في التخاذل عنها، فلم يعد الإنسان محتاجًا إلى استجدائها ومنتظرًا للآخرين أن يقرُوها بل إن أصل خلقه وتكليفه قائم عليها، ويجب عليه ذلك.
ومن هنا اختلط على كثير من الناس تصنيف حضارة المسلمين أنها حضارة واجبات أدت إلى الديكتاتورية والتسلط وأن حضارة الغرب حضارة حقوق والأمر ليس كذلك بل الحضارة الإسلامية التي جعلت الدين أساسها ومنطلقها كانت حضارة حقوق وصلت إلى حد الواجبات.([6])
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]) البقرة : 256
[2]) الكافرون : 6
[3]) الكهف : 29
[4]) البقرة : 219
[5])- أحمد وأبو داود
[6]) مراجعة بحث عن مظاهر الحضارة الإسلامية موسوعة ويكبيديا
مفهوم الحضارة
الحضارة مشتقة من الـحُضُورُ : نقـيض الـمَغيب والغَيْبةِ؛ حَضَرَ يَحْضُرُ حُضُوراً
وحِضارَةً. ويقال : رجل حَضِرٌ إِذا حَضَرَ بخير. والحَضَرُ: خلاف البَدْوِ. و الحاضِرُ: خلاف البادي. والـحاضر: المقيم فـي المُدُنِ والقُرَى، والبادي: المقيم بالبادية. ويقال: فلان من أَهل الـحاضرة وفلان من أَهل البادية، وفلان حَضَرِيٌّ وفلان بَدَوِيٌّ.
والـحِضَارَةُ: الإِقامة فـي الـحَضَرِ؛ عن أَبـي زيد. وكان الأصمعي يقول: الـحَضارَةٌ، بالفتـح؛ قال القطامي:
فَمَنْ تَكُنِ الـحَضارَةُ أَعْجَبَتْه فأَيَّ رجالِ بادِيَةٍ تَرانَا.
ورجل حَضِرٌ: لا يصلـح للسفر. وهم حُضُورٌ أَي حاضِرُونَ. والـحَضَرُ و الـحَضْرَةُ و الـحاضِرَةُ: خلاف البادية، وهي الـمُدُنُ والقُرَى والرِّيفُ، سميت بذلك لأن أهلها حَضَروا الأمصارَ ومَسَاكِنَ الديار التـي يكون لهم بها قرارٌ.
وهي ترجمة للفظة الإنجليزية "Civilization"، والتي يعود أصلها إلى عدة جذور في اللغة اللاتينية؛ "Civilties" بمعنى مدنية، و"Civis" أي ساكن المدينة، و"Cities" وهو ما يُعرف به المواطن الروماني المتعالي على البربري. ولم يُتداول الاشتقاق "Civilization" حتى القرن الثامن عشر، حين عرفه دي ميرابو في كتابه «مقال في الحضارة» باعتباره رقة طباع شعب ما وعمرانه ومعارفه المنتشرة بحيث يراعي الفائدة العلمية العامة.
ويبدو أن ما عناه غالبية من استخدموا الكلمة لأول مرة هو مزيج من الصفات الروحية والخلقية التي تحققت على الأقل بصورة جزئية في حياة البشر في المجتمع الأوربي؛ وقياسًا على ذلك تجيء التعريفات لمفهوم "Civilization"، فمثلاً يعرفه وول ديورانت بأنه "نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة في إنتاجه الثقافي، ويتألف من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون».([1])
ولم يمنع ذلك حدوث تداخل كبير في تناول الفكر الأوروبي لمفهوم "Civilization"، فهناك من جعل المفهوم مرادفًا لمفهوم الثقافة، وهناك من جعله قاصرًا على نواحي التقدم المادي مثل أصحاب الفكر الألماني، وهناك من جعله شاملاً لكل أبعاد التقدم مثل المفكرين الفرنسيين.
وبملاحظة التعريفات المقدمة لمفهوم «الحضارة» نلحظ أنها هي نفسها التعريفات التي وضعت إزاء «المدنية»، فالخلاف لفظي والمحتوى واحد وهو المضمون الأوروبي. فعادةً، يربط مفهوم الحضارة إما بالوسائل التكنولوجية الحديثة، أو بالعلوم والمعارف والفنون السائدة في أوروبا، أي خلاصة التطور الأوروبي الحالي. وينطلق هؤلاء من أن الحضارة هي جملة الظواهر الاجتماعية ذات الطابع المادي والعلمي والفني الموجود في المجتمع، وأنها تمثل المرحلة الراقية في التطور الإنساني.
ويختلف الباحثون حول تحديد الجذر اللغوي لكلمة «المدنية» فيرجعها البعض إلى «مدن» بمعنى أقام في المكان، ويرجعها آخرون إلى «دان» وهي جذر مفهوم الدين وتعني خضع وأطاع، وأيًّا كان مصدرها فقد اقترن اللفظ بتأسيس الدولة الإسلامية، وارتبط بمفهوم الدين بما يعنيه من دلالات الطاعة والخضوع والسياسة، ولقد ارتبطت المدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بنظام مجتمعي حياتي وتنظيمي جديد في الجزيرة العربية ارتكز على القيم الإسلامية والمبادئ التنظيمية المنبثقة عنها.
وعلى خلاف التجربة الغربية، فالمدينة في الخبرة الإسلامية هي نتيجة لوجود قيم التهذيب والعلاقات الاجتماعية والسياسية في الدين الإسلامي، وليست سببًا فيها. ومن ناحية ثانية، فقد بدأت المدينة في الخبرة الإسلامية مما انتهت عليه المدينة في التجربة الأوروبية «مرحلة المتروبوليتان»، أي المدينة التي تتبعها مدن أخرى وترتبط بها؛ فقد كانت المدن الإسلامية جميعها حواضر راقية تتبعها مئات المدن الأخرى المنتشرة في الإمبراطورية الإسلامية.
فلم يميَز الغربيون بين الحضارة والمدنية، لقد استخدمها (وول ديورانت) وهو مؤلف (قصة الحضارة) بمعنى واحد، وقصدوا بها التقدم العلمي والتقني والرُقي الذي وصلت إليه المجتمعات و الاختراع والتفكير والتنظيم والعمل على استغلال الطبيعة للوصول إلي مستوى أفضل للحياة وهي حصيلة جهود الأمم كلها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1])- راجع بحث الحضارة المدنية .. اختلاف الدلالات باختلاف الحضارات د. نصر محمد عارف نشر على موقع إسلام أون لاين.
لا شك أن الهاتف المحمول، وملابس النساء القصيرة، وأجهزة التلفاز، وأجهزة استقبال القنوات الفضائية؛ كل هذه الأشياء من عالم الأشياء، الذي لا يتعلق به حكم في ذاته، وإنما الحكم يتعلق بالمستخدم، فالهاتف المحمول مثلاً من الأشياء التي لها فوائد عديدة، وهو تطور أحدث طفرة ملحوظة في عالم الاتصالات، وتزويد إمكانات هذا الهاتف بالكاميرا أو غير ذلك لا شيء فيه، والإنسان قد يستخدم كاميرات الفيديو نفسها استخداماً حلالاً أو غير ذلك، سواء اتصلت تلك الكاميرات بالهواتف المحمولة أو انفصلت عنها، وسواء صغرت هذه الكاميرات أو كبرت، فالعبرة بالمستخدم لأن الهواتف المحمولة أو بشكل أدق كاميرات الفيديو من الأشياء المتعددة الاستخدامات، التي يمكن أن تستخدم في كشف العورات ونشر الفاحشة، ويمكن أن تستخدم في خدمة الإسلام ونشر العلم النافع، ويمكن أن تستخدم في المباح كذلك.
وكذلك المرأة التي تشتري الملابس الضيقة أو العارية يمكن أن تلبسها لزوجها، وتتحجب من الأجانب، ويمكن أن تلبسها أمام الأجانب فتكون آثمة بذلك، وكذلك التلفاز وأجهزة استقبال القنوات الفضائية، يمكن أن يستخدمها الإنسان في الثقافة والتعلم، ويمكن أن يستخدمها في المحرم.
وقد تقرر شرعًا أن الحرمة إذا لم تتعين حلت، قال الزيلعي بعد أن عدد أشياء لم تقم الحرمة في عينها كالكبش النطوح ،والديك المقاتل، والحمامة الطيارة، وقال بعدم حرمتها : «لأنه ليس عينها منكرًا ؛وإنما المنكر في استعماله المحظور»([1]).
وعليه فكل ما كان ذا استعمالين جاز بيعه والاتجار فيه، وتكون مسئوليته على المستعمل، فإن استعمله في الحلال فحلال ،وإن استعمله في الحرام فعليه إثم الحرمة، والله تعالى أعلى وأعلم.
ــــــــــــــــــــــــ
اقتناء الكلب في البيت
الكلب في اللغة : هو كل سبع عقور، وجمعه : أكلب وكلاب، وجمع الجمع : أكالب، والأنثى كلبة، وجمعها كلاب. أيضا وكلبات. وفي الاصطلاح : هو ذلك الحيوان النباح المعروف ومنه أشكال وفصائل إلا أنهم يشتركون في الجنس.
وقد اتفق أغلب الفقهاء على أنه لا يجوز اقتناء الكلب إلا لحاجة : كالصيد والحراسة، وغيرهما من وجوه الانتفاع التي لم ينه الشارع عنها. وقال المالكية : يكره اتخاذه لغير زرع أو ماشية أو صيد، وقال بعضهم بجوازه.
وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «من اتخذ كلبًا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط »([1]). وعن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان»([2]). وقالوا : يجوز تربية الجرو الذي يتوقع تعليمه لذلك.
قال الإمام النووي رحمه الله : «قال الشافعي والأصحاب : ويجوز اقتناء الكلب للصيد أو الزرع أو الماشية بلا خلاف لما ذكره المصنف ،وفي جواز إيجاده لحفظ الدور والدروب وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما (أصحهما) الجواز، وهو المنصوص في المختصر»([3]).
وقد قال الشيخ عليش من كبار محققي المالكية : «ويجوز اقتناء الكلب للمنافع كلها ودفع المضار، ولو في غير البادية من المواضع المخوف فيها السراق »([4]).
وعليه فيجوز اقتناء الكلب للمنفعة والحاجة إليه، ولا يجوز اقتناؤه لغير ذلك، والله تعالى أعلى وأعلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) أخرجه أحمد في مسنده، ج2 ص 55، ومسلم في صحيحه، ج3 ص 1202، وأبو داود في سننه، ج3 ص 108، والترمذي في سننه، ج3 ص 79.
([2]) أخرجه أحمد في مسنده، ج2 ص 8، والبخاري في صحيحه، ج5 ص 20882، والنسائي في سننه، ج7 ص 188، وابن حبان في صحيحه، ج12 ص 466.
([3]) المجموع، للإمام النووي، ج9 ص 279.
([4]) منح الجليل شرح مختصر الخليل، للشيخ محمد بن أحمد المعروف بالشيخ عليش، ج4 ص 453.
التدخين
التدخين، وهو ما يعرف بتعاطي نبات التبغ بالإحراق، وجذب الدخان الناتج عن إشعاله، والتبغ : لفظ أجنبي دخل العربية دون تغيير، وقد أقره مجمع اللغة العربية. وهو نبات من الفصيلة الباذنجانية يستعمل تدخينًا وسعوطًا ومضغًا، ومنه نوع يزرع للزينة، وهو من أصل أمريكي، ولم يعرفه العرب القدماء.
فقد ظهر في أواخر القرن العاشر الهجري وأوائل القرن الحادي عشر، وأول من جلبه لأرض العثمانيين الإنجليز، ولأرض المغرب يهودي زعم أنه حكيم، ثم جُلب إلى مصر، والحجاز، والهند، وغالب بلاد الإسلام.
ومن أسمائه : الدخان، والتتن، والتنباك. لكن الغالب إطلاق هذا الأخير على نوع خاص من التبغ كثيف يدخن بالنارجيلة لا باللفائف.
ومما يشبه التبغ في التدخين والإحراق : الطباق، وهو نبات عشبي معمر من فصيلة المركبات الأنبوبية الزهر، وهو معروف عند العرب ، خلافا للتبغ، والطباق : لفظ معرب. وفي المعجم الوسيط : الطباق : الدخان ، يدخن ورقه مفرومًا أو ملفوفًا.
ومدار حكم التدخين على الضرر، فإن تحقق الضرر الذي تمنعه الشريعة الإسلامية فيحرم لذلك، وإن لم يتحقق كره أو أبيح، وكان ذلك سبب اختلاف العلماء فيه قديمًا؛ حيث إن الطب ما زال يكتشف لنا كل جديد، ويخبرنا بأضرار التدخين يومًا بعد يوم، وما وصل إليه الطب الحديث في عصرنا ؛أن التدخين ضار جدًّا بالصحة الإنسانية، وأنه يحتوي على مادة مفترة.
فعن عبادة بن الصامت ؛أن من قضاء النبي صلى الله عليه وسلم : «لا ضرر ولا ضرار»([1]) وبنيت عليه قواعد فقهية كلية وفرعية منها : «الضرر يزال»، ومنها : «دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة»، وعن أم سلمة رضي الله عنها : «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر»([2]).
وبناءً عليه يُعلم أن الشرع حرم الضرر البالغ، والتدخين يصيب الإنسان بالضرر البالغ كما أقر بذلك الأطباء، ويحرم الشرع كل مادة مفترة، والتبغ وكل النبات الذي يدخن يفتر أعصاب الإنسان، وحرم الشرع الشريف إضاعة المال، وهي الإنفاق فيما لا فائدة له، بل فيما فيه ضرر فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إن الله كره لكم قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال»([3]) ؛لذا نرى أن التدخين عادة سيئة محرمة شرعًا، نسأل الله أن يتوب على من اُبتلي بها، والله تعالى أعلى وأعلم.
ــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) أخرجه أحمد في مسنده، ج5 ص 326، وابن ماجه في سننه، ج2 ص 784، والبيهقي في الكبرى، ج6 ص 156.
([2]) أخرجه أحمد في المسند، 6 ص309، وأبو داود في سننه، ج3 ص 329، والبيهقي في الكبرى، ج8 ص 296.
([3]) أخرجه أحمد في المسند، 2 ص327، والبخاري في صحيحه، ج2 ص 537، ومسلم في صحيحه، ج3 ص 1340.
سماع الموسيقى في الإسلام
الموسيقى لفظ يوناني يطلق على فنون العزف على آلات الطرب. وعلم الموسيقى يبحث فيه عن أصول النغم من حيث تأتلف أو تتنافر، وأحوال الأزمنة المتخللة بينها ليعلم كيف يؤلف اللحن. والموسيقي : المنسوب إلى الموسيقى، والموسيقار : من حرفته الموسيقى. والموسيقى في الاصطلاح : علم يعرف منه أحوال النغم والإيقاعات، وكيفية تأليف اللحون، وإيجاد الآلات([1])، وتطلق كذلك على الصوت الخارج من آلات العزف.
ومسألة سماع الموسيقى مسألة خلافية فقهية، ليست من أصول العقيدة، وليست من المعلوم من الدين بالضرورة، ولا ينبغي للمسلمين أن يفسق بعضهم بعضًا، ولا ينكر بعضهم على بعض بسبب تلك المسائل الخلافية، فإنما ينكر المتفق عليه، ولا ينكر المختلف فيه، وطالما أن هناك من الفقهاء من أباح الموسيقى، وهؤلاء ممن يعتد بقولهم ويجوز تقليدهم، فلا يجوز تفريق الأمة بسبب تلك المسائل الخلافية.
خاصة وأنه لم يرد نص في الشرع صحيح صريح في تحريم الموسيقى، وإلا ما ساغ الخلاف بشأنها، وممن أباح الآلات والمعازف الإمام الغزإلى ؛حيث قال : « اللهو معين على الجد، ولا يصبر على الجد المحض، والحق المر، إلا نفوس الأنبياء علىهم السلام؛ فاللهو دواء القلب من داء الإعياء، فينبغي أن يكون مباحًا، ولكن لا ينبغي أن يستكثر منه، كما لا يستكثر من الدواء. فإذًا اللهو على هذه النية يصير قربة، هذا في حق من لا يحرك السماع من قلبه صفة محمودة يطلب تحريكها، بل ليس له إلا اللذة والاستراحة المحضة، فينبغي أن يستحب له ذلك؛ ليتوصل به إلى المقصود الذي ذكرناه. نعم هذا يدل على نقصان عن ذروة الكمال، فإن الكامل هو الذي لا يحتاج أن يروح نفسه بغير الحق، ولكن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ومن أحاط بعلم علاج القلوب، ووجوه التلطف بها، وسياقتها إلى الحق، علم قطعًا أن ترويحها بأمثال هذه الأمور دواء نافع لا غنى عنه»([2]).
وقال الغزالي أيضا : « إن الآلة إذا كانت من شعار أهل الشرب، أو الخنين، وهى : المزامير، والأوتار، وطبل الكوبة فهذه ثلاثة أنواع ممنوعة، وما عدا ذلك يبقى على أصل الإباحة كالدف وإن كان فيه الجلاجل، وكالطبل، والشاهين، والضرب بالقضيب، وسائر الآلات»
غير أن بعض أهل العلم يرون في الغناء وسماعه عبرة لمن فهم الإشارة وسمت روحه، ومن هؤلاء العلماء القاضي عياض الشبلي([3]) فقد سئل عن السماع فقال : «ظاهره فتنة، وباطنه عبرة، فمن عرف الإشارة، حل له استماع العبرة »([4]).
وكذلك سلطان العلماء العز بن عبد السلام نُقل عنه أن الغناء بالآلات وبدونها قد يكون سبيلاً لصلاح القلوب فقال : «الطريق في صلاح القلوب يكون بأسباب من خارج، فيكون بالقرآن، وهؤلاء أفضل أهل السماع، ويكون بالوعظ والتذكير، ويكون بالحداء والنشيد، ويكون بالغناء بالآلات، المختلف في سماعها، كالشبابات، فإن كان السامع لهذه الآلات مستحلاًّ سماع ذلك، فهو محسن بسماع ما يحصل له من الأحوال، وتارك للورع لسماعه ما اختلف في جواز سماعه» ([5]).
ونقل القرطبى فى «الجامع لأحكام القرآن» قول القشيرى : «ضرب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل المدينة، فهم أبو بكر بالزجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح) فكن يضربن ويقلن : نحن بنات النجار، حبذا محمد من جار. ثم قال القرطبى : وقد قيل إن الطبل في النكاح كالدف، وكذلك الآلات المشهرة للنكاح يجوز استعمالها فيه بما يحسن من الكلام ولم يكن فيه رفث»([6]).
ونقل الشوكانى فى «نيل الأوطار» فى (باب ما جاء في آلة اللهو) أقوال المحرمين والمبيحين ،وأشار إلى أدلة كل من الفريقين، ثم عقب على حديث : «كل لهو يلهو به المؤمن فهو باطل إلا ثلاثة : ملاعبة الرجل أهله، وتأديبه فرسه، ورميه عن قوسه»([7]) بقول الغزالى : «قلنا قوله صلى الله عليه وسلم : (فهو باطل) لا يدل على التحريم، بل يدل على عدم الفائدة» ،ثم قال الشوكانى: «وهو جواب صحيح ؛لأن ما لا فائدة فيه من قسم المباح([8])، وساق أدلة أخرى في هذا الصدد ،من بينها حديث من نذرت أن تضرب بالدف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رده الله سالمًا من إحدى الغزوات، وقد أذن لها صلى الله عليه وسلم بالوفاء بالنذر والضرب بالدف، فالإذن منه يدل على أن ما فعلته ليس بمعصية في مثل ذلك الموطن، وأشار الشوكانى إلى رسالة له عنوانها «إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع».
وقال ابن حزم : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرىء ما نوى)([9]) ،فمن نوى استماع الغناء عونًا على معصية الله تعالى ؛فهو فاسق، وكذلك كل شىء غير الغناء، ومن نوى به ترويح نفسه ليقوى بذلك على طاعة الله عز وجل وينشط نفسه بذلك على البر ؛فهو مطيع محسن وفعله هذا من الحق، ومن لم ينو طاعة ولا معصية فهو لغو معفو عنه، كخروج الإنسان إلى بستانه متنزهًا وقعوده على باب داره متفرجًا»([10]).
ونخلص من كل ما سبق أن الغناء بآلة -أي مع الموسيقي- وبغير آلة: مسألة ثار فيها الجدل والكلام بين علماء الإسلام منذ العصور الأولي، فاتفقوا في مواضع، واختلفوا في أخري.
اتفقوا علي تحريم كل غناء يشتمل على فحش، أو فسق، أو تحريض علي معصية، إذ الغناء ليس إلا كلامًا، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح، وكل قول يشتمل علي حرام فهو حرام، فما بالك إذا اجتمع له الوزن والنغم والتأثير ؟
واتفقوا علي إباحة ما خلا من ذلك من الغناء الفطري الخالي من الآلات والإثارة، وذلك في مواطن السرور المشروعة، كالعرس وقدوم الغائب، وأيام الأعياد، ونحوها بشرط ألا يكون المغني امرأة في حضرة أجانب منها.
واختلفوا في الغناء المصحوب بالآلات، وباقي المسائل المذكورة.
ولهذا نرى جواز الغناء، سواء كان مصحوبا بالموسيقى، أو لا، بشرط ألا يدعو إلى معصية أو تتنافى معانيه مع معاني الشرع الشريف، غير أن استدامته والإكثار منه يخرجه من حد الإباحة، إلى حد الكراهة، وربما إلى حد الحرمة، والله تعالى أعلى وأعلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) الموسوعة الفقهية الكويتية، ج 38، ص 168، حرف الميم، معازف.
([2]) الفروع لابن مفلح، ج5 ص 236، 237، طـ دار الكتب العلمية.
([3]) وهو شيخ الصوفية، ذو الأنباء البديعة، وواحدة المتصوفين في علوم الشريعة، عالمًا فقيهًا، على مذهب مالك .انظر ترجمته : سير أعلام النبلاء، ج20 ص212 ،والديباج المذهب، ص 168.
([4]) التاج والإكليل، للعبدري المالكي ج2 ص 362.
([7]) رواه أحمد في مسنده، ج4 ص144 ،والترمذي في سننه، ج4 ص174 ،وابن ماجه في سننه، ج2 ص940 ،جميعاً بنحوه ،عن عقب بن عامر الجهني رضي الله عنه .
([9]) رواه أحمد في مسنده، ج1 ص25 ،والبخاري في صحيحه، ج1 ص3 ،ومسلم في صحيحه، ج3 ص1515، وابن ماجه، ج2 ص1413، واللفظ له.