علمنا أن أسماء الله الحسنى يمكن تقسيمها إلى صفات جمال : كالرحمن والرحيم، والعفو الغفور، وصفات جلال : كالمنتقم الجبار، الشديد المحال، وصفات كمال : كالأول والآخر والظاهر والباطن، وكل ما يوصف به الله.
والمؤمن يتخلق بصفات الجمال، ولا يتخلق بصفات الجلال بل يتعلق بها، فيعفو ويصفح، ويمسك نفسه عند الغضب قال تعالى : ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة : 109، 110]. والتخلق بالجمال والتعلق بالجلال والإيمان بالكمال من مكونات العقل المسلم.
والاسم الذي معنا في هذا العدد هو اسمه سبحانه «الخالق»، والخالق اسم فاعل من خلق : بمعنى قدر، والخالق : هو الذي أَوجد الأَشياء جميعها بعد أَن لـم تكن موجودة، وأَصل الـخـلق التقدير، فهو باعْتبار تقدير ما منه وجُودُها وبالاعتبار للإِيجادِ علـى وَفْقِ التقدير خالقٌ. و الـخَـلْقُ فـي كلام العرب: ابتِداع الشيء علـى مِثال لـم يُسبق إِلـيه؛ وكل شيء خَـلقه الله فهو مُبْتَدِئه علـى غير مثال سُبق إِلـيه.
واسم الله الخالق بهذه الصيغة لم يرد في القرآن إلا مرة واحدة في قوله تعالى : ﴿هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحشر :24]، وورد بصيغة التعظيم [الخالقون] مرة واحدة في قوله تعالى : ﴿أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الخَالِقُونَ﴾ [الواقعة :59]، وورد اسمه الخلاق من نفس المادة مرتين في القرآن الكريم في قوله تعالى : ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الخَلاَّقُ العَلِيمُ﴾ [الحجر :86]. وفي قوله تعالى : ﴿وَهُوَ الخَلاَّقُ العَلِيمُ﴾ [يس :81].
وورد معرفا بالإضافة في مواضع كثيرة، ومن ذلك قوله تعالى : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام :102]. وقوله تعالى : ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ﴾ [الرعد :16]. وقوله سبحانه : ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون :14]، وجاء بالتنكير في قوله تعالى : ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر :3]، وورد في مدح خلقه قوله تعالى : ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الخَالِقِينَ﴾ [الصافات :125]. وقوله سبحانه : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر :62]. وقوله عز وجل : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر :62].
والخالق من صفات الكمال، التي ينبغي على المؤمن أن يؤمن بها، وتورثه حبا لله، لأن النفس جبلت على حب الكمالات، والخالق يمكن أن يراه العبد على أنه من صفات الجلال، فيعلم أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فكل ما حوله من خلق الله، وكل ما في الكون حركة وسكونا، وجودا وعدما من الله، فيعلم أنه ليس له من الأمر شيء، ويمكن أن يراه العبد كذلك على أنه صفة جمال، فيلاحظ باسمه الخالق نعم الله عليه، ويعلم أن الله يتودد له بالنعم التي تبدأ بخلقه وإيجاده، وخلق الحياة فيه، وخلقه دائما خلقا بعد خلق، في منظومة تعرف بالإمداد الإلهي الذي إذا انقطع ينعدم المخلوق تماما.
الخالق اسم يورث معاني الحب التي تبرز من ملاحظة الكمال، ومعاني التعلق التي تبرز من ملاحظة الجلال، ومعاني التخلق التي تؤدي إلى الرحمة، والتخلق بالتودد للناس والإنعام عليهم.
ينبغي على المؤمن أن يجعل اسمه الخالق منهج حياة، يحيا به بين الناس، يرشده إلى طريق الله، ويقبل به على ربه، عسى الله أن ينفعنا بما فيه الخير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


