مازلنا في تلك السلسلة المباركة من شرح أسماء الله الحسنى، وقد علمنا أن أسماء الله الحسنى يمكن تقسيمها إلى صفات جمال : كالرحمن والرحيم، والعفو الغفور، وصفات جلال : كالمنتقم الجبار، الشديد المحال، وصفات كمال : كالأول والآخر والظاهر والباطن، وكل ما يوصف به الله، والمؤمن يتخلق بصفات الجمال، ولا يتخلق بصفات الجلال بل يتعلق بها، فيعفو ويصفح، ويمسك نفسه عند الغضب.
والاسم الذي معنا في هذا العدد هو اسمه سبحانه «المصور»، قال ابن منظور : «الـمُصَوِّرْ : وهو الذي صَوَّر جميع الـموجودات، ورتبها فأَعطى كل شيء منها صورة خاصة وهيئة مفردة يتميز بها علـى اختلافها وكثرتها» [لسان العرب 4/473]. وقال ابن كثير في تفسيره لاسمه سبحانه في سورة الحشر : « أي الذي إذا أراد شيئاً قال له : كن فيكون على الصفة التي يريد، والصورة التي يختار،كقوله تعالى : ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:8] ولهذا قال: المصور، أي الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها» [تفسير ابن كثير 4/345].
وقد وردت مادة هذا الاسم في القرآن في خمس مواضع مرتبة كما يلي : قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران :6]. وقوله سبحانه : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف :11]. وقوله سبحانه وتعالى : ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر :64]. وقوله عز وجل :﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [التغابن :3]. وقوله سبحانه : ﴿فِى أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار :8]
ولم يرد هذا الاسم صريحا في القرآن إلا في قوله تعالى : ﴿هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحشر :24].
واسم الله «المصور» يندرج تحت قسم الكمال، الذي ينبغي على المؤمن أن يؤمن به، ويورثه حبا لله، لأن النفس جبلت على حب الكمالات، كما يمكن رؤيته على أنه من صفات الجلال؛ فعندما يعلم العبد أن كل ما يراه من صور هو مراد الله، وأنه لا مراد في الكون إلا مراده سبحانه فيشع بقهر الله وعظمته في كونه، فيصل إلى الحقيقة أن الأمر كله بيد الله، أنه ليس له من الأمر شيء.
كما يمكن أن ينظر المسلم إلى اسمه سبحانه «المصور» على أنه من قسم الجمال، حيث يلاحظ بهذا الاسم نعم الله عليه، ويعلم أن الله يتودد بالنعم لخلقه إذ أحسن صورتهم وأوجدهم من عدم، وخلق لهم الحياة.
ينبغي علينا أن نجعل اسم الله «المصور» دليلا في التعرف على الله من ناحية الجمال والجلال والكمال، ويزداد إيماننا به وتعلقانه به سبحانه وتعالى.


