مازلنا في تلك السلسلة المباركة من شرح أسماء الله الحسنى، وقد علمنا أن أسماء الله الحسنى يمكن تقسيمها إلى صفات جمال : كالرحمن والرحيم، والعفو الغفور، وصفات جلال : كالمنتقم الجبار، الشديد المحال، وصفات كمال : كالأول والآخر والظاهر والباطن، وكل ما يوصف به الله، والمؤمن يتخلق بصفات الجمال، ولا يتخلق بصفات الجلال بل يتعلق بها، فيعفو ويصفح، ويمسك نفسه عند الغضب.
والاسم الذي معنا في هذا العدد هو اسمه سبحانه «المصور»، قال ابن منظور : «الـمُصَوِّرْ : وهو الذي صَوَّر جميع الـموجودات، ورتبها فأَعطى كل شيء منها صورة خاصة وهيئة مفردة يتميز بها علـى اختلافها وكثرتها» [لسان العرب 4/473]. وقال ابن كثير في تفسيره لاسمه سبحانه في سورة الحشر : « أي الذي إذا أراد شيئاً قال له : كن فيكون على الصفة التي يريد، والصورة التي يختار،كقوله تعالى : ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:8] ولهذا قال: المصور، أي الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها» [تفسير ابن كثير 4/345].
وقد وردت مادة هذا الاسم في القرآن في خمس مواضع مرتبة كما يلي : قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران :6]. وقوله سبحانه : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف :11]. وقوله سبحانه وتعالى : ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر :64]. وقوله عز وجل :﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [التغابن :3]. وقوله سبحانه : ﴿فِى أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار :8]
ولم يرد هذا الاسم صريحا في القرآن إلا في قوله تعالى : ﴿هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحشر :24].
واسم الله «المصور» يندرج تحت قسم الكمال، الذي ينبغي على المؤمن أن يؤمن به، ويورثه حبا لله، لأن النفس جبلت على حب الكمالات، كما يمكن رؤيته على أنه من صفات الجلال؛ فعندما يعلم العبد أن كل ما يراه من صور هو مراد الله، وأنه لا مراد في الكون إلا مراده سبحانه فيشع بقهر الله وعظمته في كونه، فيصل إلى الحقيقة أن الأمر كله بيد الله، أنه ليس له من الأمر شيء.
كما يمكن أن ينظر المسلم إلى اسمه سبحانه «المصور» على أنه من قسم الجمال، حيث يلاحظ بهذا الاسم نعم الله عليه، ويعلم أن الله يتودد بالنعم لخلقه إذ أحسن صورتهم وأوجدهم من عدم، وخلق لهم الحياة.
ينبغي علينا أن نجعل اسم الله «المصور» دليلا في التعرف على الله من ناحية الجمال والجلال والكمال، ويزداد إيماننا به وتعلقانه به سبحانه وتعالى.
مازلنا في تلك السلسلة المباركة من شرح أسماء الله الحسنى، والتي علما أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول : هو قسم الجمال مثل الرحمن الرحيم العفو الغفور الرءوف. والقسم الثاني: هو قسم الجلال مثل الجبار المنتقم المتكبر شديد المحال العظيم. والقسم الثالث :هو قسم الكمال مثل لفظ الجلالة ومثل الأول الآخر، الظاهر الباطن، الضار النافع، المعطي المانع.
والمؤمن يتخلق بصفات الجمال، ولا يتخلق بصفات الجلال بل يتعلق بها، فيعفو ويصفح، ويمسك نفسه عند الغضب.
والاسم الذي معنا في هذا العدد هو اسمه سبحانه «البارئ»، ويعني هذا الاسم في اللغة: الذي خَـلَقَ الـخَـلْقَ لا عن مِثالٍ. ولهذِهِ اللفْظَةِ من الاخْتِصاصِ بخَـلْقِ الـحَيوانِ ما لـيس لها بغَيرهِ من الـمخْـلوقات، وقَلَّـما تُسْتَعْمَلُ فـي غير الـحيوانِ، فـيُقال: بَرأَ اللَّهُ النَّسَمَة وخَـلَقَ السَّموات والأَرضَ. قال ابنُ سِيده: برَأَ اللَّهُ الـخـلق يَبْرُؤُهمَ بَرءاً وبُرُوءاً: خَـلَقَهُم، يكونُ ذلكَ فـي الـجَواهِرِ والأَعْراضِ. [راجع لسان العرب 1/31].
وقد بين ابن كثير رحمه الله الفرق بين الأسماء الثلاثة [الخالق-البارئ-المصور] فقال : « الخلق: التقدير، والبرء: هو الفري وهو التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدر شيئاً ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله عز وجل، قال الشاعر يمدح آخر:
ولأنت تفري ما خلقت وبعــ **تز ــض القوم يخلق ثم لا يفري
قدر الجلاد ثم فرى، أي قطع على ما قدره بحسب ما يريده، وقوله تعالى: (الخالق البارئ المصور) أي الذي إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون على الصفة التي يريد، والصورة التي يختار كقوله تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (الانفطار:8) ولهذا قال: المصور، أي الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها» [تفسير ابن كثير 4/344، 345].
وقد ورد هذا الاسم صريحا في قوله تعالى : ﴿هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحشر :24]
كما ورد مضافا إلى بني إسرائيل حكاية عن سيدنا موسى عليه السلام في قوله تعالى :﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة :54]
وورد مادته في صيغة الفعل في قوله تعالى : ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحديد :22].
والبارئ من صفات الكمال، التي ينبغي على المؤمن أن يؤمن بها، وتورثه حبا لله، لأن النفس جبلت على حب الكمالات، كما يمكن رؤيته على أنه من صفات الجلال؛ حيث شعر العبد بقهر الله وعظمته في كونه أوجد هذا الكون على غير مثال سابق، فيعلم أن كل ما حوله قد برأه الله سبحانه وتعالى، فيصل إلى حقيقة أنه ليس له من الأمر شيء.
ويمكن أن يراه العبد كذلك على أنه صفة جمال، فيلاحظ باسمه البارئ نعم الله عليه، ويعلم أن الله يتودد له بالنعم التي تبدأ بخلقه وإيجاده، وخلق الحياة فيه، وخلقه دائما خلقا بعد خلق، في منظومة تعرف بالإمداد الإلهي الذي إذا انقطع ينعدم المخلوق تماما.
ينبغي علينا أن نجعل اسم الله البارئ منهج حياة، يحيا به بين الناس، يرشده إلى طريق الله، ويقبل به على ربه، عسى الله أن ينفعنا بما فيه الخير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
علمنا أن أسماء الله الحسنى يمكن تقسيمها إلى صفات جمال : كالرحمن والرحيم، والعفو الغفور، وصفات جلال : كالمنتقم الجبار، الشديد المحال، وصفات كمال : كالأول والآخر والظاهر والباطن، وكل ما يوصف به الله.
والمؤمن يتخلق بصفات الجمال، ولا يتخلق بصفات الجلال بل يتعلق بها، فيعفو ويصفح، ويمسك نفسه عند الغضب قال تعالى : ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة : 109، 110]. والتخلق بالجمال والتعلق بالجلال والإيمان بالكمال من مكونات العقل المسلم.
والاسم الذي معنا في هذا العدد هو اسمه سبحانه «الخالق»، والخالق اسم فاعل من خلق : بمعنى قدر، والخالق : هو الذي أَوجد الأَشياء جميعها بعد أَن لـم تكن موجودة، وأَصل الـخـلق التقدير، فهو باعْتبار تقدير ما منه وجُودُها وبالاعتبار للإِيجادِ علـى وَفْقِ التقدير خالقٌ. و الـخَـلْقُ فـي كلام العرب: ابتِداع الشيء علـى مِثال لـم يُسبق إِلـيه؛ وكل شيء خَـلقه الله فهو مُبْتَدِئه علـى غير مثال سُبق إِلـيه.
واسم الله الخالق بهذه الصيغة لم يرد في القرآن إلا مرة واحدة في قوله تعالى : ﴿هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحشر :24]، وورد بصيغة التعظيم [الخالقون] مرة واحدة في قوله تعالى : ﴿أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الخَالِقُونَ﴾ [الواقعة :59]، وورد اسمه الخلاق من نفس المادة مرتين في القرآن الكريم في قوله تعالى : ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الخَلاَّقُ العَلِيمُ﴾ [الحجر :86]. وفي قوله تعالى : ﴿وَهُوَ الخَلاَّقُ العَلِيمُ﴾ [يس :81].
وورد معرفا بالإضافة في مواضع كثيرة، ومن ذلك قوله تعالى : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام :102]. وقوله تعالى : ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ﴾ [الرعد :16]. وقوله سبحانه : ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون :14]، وجاء بالتنكير في قوله تعالى : ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر :3]، وورد في مدح خلقه قوله تعالى : ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الخَالِقِينَ﴾ [الصافات :125]. وقوله سبحانه : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر :62]. وقوله عز وجل : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر :62].
والخالق من صفات الكمال، التي ينبغي على المؤمن أن يؤمن بها، وتورثه حبا لله، لأن النفس جبلت على حب الكمالات، والخالق يمكن أن يراه العبد على أنه من صفات الجلال، فيعلم أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فكل ما حوله من خلق الله، وكل ما في الكون حركة وسكونا، وجودا وعدما من الله، فيعلم أنه ليس له من الأمر شيء، ويمكن أن يراه العبد كذلك على أنه صفة جمال، فيلاحظ باسمه الخالق نعم الله عليه، ويعلم أن الله يتودد له بالنعم التي تبدأ بخلقه وإيجاده، وخلق الحياة فيه، وخلقه دائما خلقا بعد خلق، في منظومة تعرف بالإمداد الإلهي الذي إذا انقطع ينعدم المخلوق تماما.
الخالق اسم يورث معاني الحب التي تبرز من ملاحظة الكمال، ومعاني التعلق التي تبرز من ملاحظة الجلال، ومعاني التخلق التي تؤدي إلى الرحمة، والتخلق بالتودد للناس والإنعام عليهم.
ينبغي على المؤمن أن يجعل اسمه الخالق منهج حياة، يحيا به بين الناس، يرشده إلى طريق الله، ويقبل به على ربه، عسى الله أن ينفعنا بما فيه الخير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ﴾ [الأعراف :180] حقيقة قرآنية تفتح للعبد أبواب الإقبال على الله سبحانه وتعالى، فإذا أراد البسط دعاه باسمه الباسط، وإذا أراد الرزق دعاه باسمه الرزاق، وإذا أراد الرحمة دعاه باسمه الرحمن والرحيم. ويمكننا أن نقسم أسماء الله تعالى إلى ثلاثة أقسام أساسية، وهي : الجمال، والجلال، والكمال.
وعلاقة الإنسان بكل قسم من هذه الأقسام تختلف، فبالنسبة لقسم الجمال العلاقة هي التخلق، على حد قول الصالحين وهم يفسرون قوله تعالى : ﴿كونوا ربانيين ﴾ [آل عمران :79] أي تخلقوا بأخلاق الله، أما التعامل مع القسم الثاني، وهو قسم الجلال فيكون بالتعلق حيث نهانا الله عن التكبر، والتعظم، وقال في الحديث القدسي العظمة : «العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار» [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه]. أما التعامل مع القسم الثالث : وهو الكمال فذلك يكون بالإيمان والتصديق.
والاسم الذي معنى في هذا العدد هو «المتكبر» وهذا الاسم يندرج أساسًا في القسم الثاني وهو قسم الجلال والذي يتوجه العبد إلى ربه متعلقا به، كما أنه يمكن أن يندرج في القسم الثالث الجلال كذلك على اعتبار أنه المتكبر عن كل النقائص وما لا يليق بالذات الإلهية العالية، فيكون التكبر حينئذ بمعنى التنزه.
والمتكبر في اللغة من التكبر يقول ابن منظور : «الكَبـير فـي صفة الله تعالـى : العظيم الـجلـيل، والـمُتَكَبِّر : الذي تَكَبَّرَ عن ظلـم عباده، و الكِبْرِياء عَظَمَة، جاءتْ علـى فِعْلـياء؛ قال ابن الأَثـير: فـي أَسماء الله تعالـى الـمتكبر والكبـير أَي العظيم ذو الكبرياءِ، وقـيل: الـمتعالـي عن صفات الـخـلق، وقـيل: الـمتكبر علـى عُتاةِ خَـلْقه، والتاء فـيه للتفرّد والتَّـخصُّص لا تاء التَّعاطِي والتَّكَلُّف. والكِبْرياء: العَظَمَة والـملك، وقـيل: هي عبارة عن كمال الذات، وكمال الوجود، ولا يوصف بها إِلاَّ الله تعالـى. [لسان العرب لابن منظور 5/125].
وقد ورد المتكبر في القرآن سبع مرات في ست منها في معنى الذم إذ نسبت للمخلوق، وفي واحدة جاءت للدلالة عن اسم الله، وهي قوله تعالى : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر :23].
أما المرات الست التي وردت مورد الذم فهي قوله تعالى : ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل :29]. وقوله تعالى : ﴿أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر :60]. وقوله تعالى : ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر :72 ، غافر 76]. وقوله سبحانه : ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسَابِ﴾ [غافر :27]. وقوله سبحانه وتعالى : ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر :35].
أما الكبرياء فقد ورد مرتين في القرآن، مرة في حق الله تعالى بمعنى العظمة والكمال، ومرة في اتهام من قوم موسى لموسى وأخيه، فالمرة التي هي بمعنى العظمة والكمال له قوله تعالى : ﴿وَلَهُ الكِبْرِيَاءُ فِى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الجاثية :37]. أما المرة الأخرى فهي قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الكِبْرِيَاءُ فِى الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس :78].
ولأن التكبر والكبرياء في حق المخلوق كذب، إذ هما صفتان لا تناسب ذاته الصغيرة الضعيفة المحتاجة لله في كل شيء، فإذا توهم العبد اتصاف نفسه بهما يكون قد نسب لنفسه صفة من صفات الخالق زورا وكذبا؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، من نازعني في واحدة منهما قذفته في النار» [رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك].
فلا سبيل لنا مع اسم الله المتكبر إلا التعلق به، واستمداد الفضائل، والتخلق بنقيض ذلك مما يناسب صفات العبد من تواضع وتذلل لله سبحانه وتعالى. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
تنقسم أسماء الله الحسنى إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول : هو قسم الجمال مثل الرحمن الرحيم العفو الغفور الرءوف. والقسم الثاني : هو قسم الجلال مثل الجبار المنتقم المتكبر شديد المحال العظيم. والقسم الثالث : مثل لفظ الجلالة ومثل الأول الآخر، الظاهر الباطن، الضار النافع، المعطي المانع.
وعلاقة الإنسان بكل قسم من هذه الأقسام تختلف، فبالنسبة لقسم الجمال العلاقة هي التخلق، على حد قول الصالحين وهم يفسرون قوله تعالى : ﴿كونوا ربانيين ﴾ [آل عمران :79] أي تخلقوا بأخلاق الله، أما التعامل مع القسم الثاني، وهو قسم الجلال فيكون بالتعلق حيث نهانا الله عن التكبر، والتعظم، وقال في الحديث القدسي العظمة : «العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار» [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه]. أما التعامل مع القسم الثالث : وهو الكمال فذلك يكون بالإيمان والتصديق.
والاسم الذي معنا في هذا العدد، وهو اسم الله الجبار ينتمي للقسم الثاني وهو قسم الجلال الذي ينبغي للمسلم أن يتعلق به، وهو في اللغة القوي الذي لا ينال، قال ابن الإنباري : الجبار فـي صفة اللَّه عزّ وجلّ الذي لا يُنالُ، والجبار هو العظيم فالعرب يقولون : نخلة جَبَّارة وهي العظيمة التي تفوت يد المتناول. فالجبار هو القوي العظيم الشديد الذي لا ينال، وهو الذي عقابه أليم شديد، ولم يرد اسم الله الجبار في القرآن مضافا لله سبحانه وتعالى إلا مرة واحدة في سورة الحشر في قوله تعالى : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر :23].
ولقد ورد هذا اللفظ في القرآن أكثر من مرة في إطار الذم لمن أراد أن يتصف به من العباد، ومنه قوله تعالى : ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم :15]. وقوله تعالى عن سيدنا يحيى عليه السلام في مدحه إذ تبرأ من هذه الصفة التي لا تنبغي للعبد : ﴿وَبَرًا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًا﴾ [مريم :14]. وفي نفس المعنى في قوله تعالى على لسان سيدنا عيسى عليه السلام : ﴿وَبَرًا بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًا﴾ [مريم :32]. وكذلك الرجل الذي خشي من سيدنا موسى عليه السلام فقد حكى القرآن عنه قوله : ﴿أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِى الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ [القصص :19].
فلا يجوز للمؤمن أن يتصف بصفة التجبر لأنه من الصفات الخاصة بالله سبحانه وتعالى التي لا تنبغي لغيره كالكبرياء والعظمة، وإنما يلجأ المؤمن في ضعفه إلى ربه الجبار ويتعلق به ويسأله أن ينتقم من المعتدين الغاصبين المفسدين فإنه الجبار القوي العزيز القادر على ذلك.
أسماء الله الحسنى التي وردت في القرآن والسنة تمثل الهيكل التربوي للمسلم قال سبحانه وتعالى : ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف : 180]، والأسماء التي وصف الله بها نفسه في كتابه أكثر من 150 اسمًا وقد ورد في السنة أكثر من 160 اسمًا ومجموعهما 220 اسمًا بعد حذف المكرر، وهذه الأسماء والصفات يمكن تقسيمها إلى صفات جمال : كالرحمن والرحيم، والعفو الغفور، وصفات جلال : كالمنتقم الجبار، الشديد المحال، وصفات كمال : كالأول والآخر والظاهر والباطن، وكل ما يوصف به الله.
والمؤمن يتخلق بصفات الجمال، ولا يتخلق بصفات الجلال بل يتعلق بها، فيعفو ويصفح، ويمسك نفسه عند الغضب قال تعالى : ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة : 109، 110]. والتخلق بالجمال والتعلق بالجلال والإيمان بالكمال من مكونات العقل المسلم.
والاسم الذي معنا في هذا العدد هو اسم الله العزيز، والعزيز في اللغة من العز وهو : القوة والشدة والغلبة. و العِزُّ والعِزَّة: الرفعة والامتناع. والعزيز تعني : الممتنع فلا يغلبه شيء والقوي الغالب لكل شيء، وهو الذي لـيس كمثله شيء.
وقد ورد هذا الاسم في مواضع كثيرة في القرآن الكريم، وأغلب تلك المواضع جاء مقرونا باسم الحكيم، وفي مواضع كثيرة كذلك جاء مقرونا باسمه سبحانه الرحيم، وجاء مقرونا بالغفار، والعليم وغيرها من الأسماء. ومن ذلك قوله تعالى : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيم﴾ُ [آل عمران :18]. وقوله : ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة :118]. وقوله : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء :9].
وهو اسم ينتمي لقسم الجلال أساسا، ويمكن أن ينتمي كذلك لقسمي الكمال والجمال، فبالرغم من أنه من قسم الجلال إلا أن المسلم لا يتعلق به فحسب بل يستمد منه أيضا، ويؤمن به في باب الكمالات لله سبحانه، ولقد نسب الله هذه الصفة لنفسه، ونسبها لرسوله صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين فقال تعالى : ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر :10]. وقال تعالى : ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون :8].
ولذا فهذا الاسم يصلح أن يكون من قسم الجلال الذي يتعلق به المؤمن، كما يصلح أن يكون من باب الكمالات التي يؤمن بها المؤمن، وهو كذلك من قسم الجمال التي يتخلق بها المؤمن على اعتبار أن الله أعزه وطلب منه أن يكون عزيزا في تكبر ولا تجبر. نسأل الله أن يعزنا والمسلمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
علمنا –من خلال ما سبق من شرح لأسماء الله الحسنى- أن أسماء الله الحسنى تنقسم إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول : هو قسم الجمال مثل الرحمن الرحيم العفو الغفور الرءوف. والقسم الثاني: هو قسم الجلال مثل الجبار المنتقم المتكبر شديد المحال العظيم. والقسم الثالث :هو قسم الكمال مثل لفظ الجلالة ومثل الأول الآخر، الظاهر الباطن، الضار النافع، المعطي المانع.
والاسم الذي معنى في هذا العدد هو اسم الله [المهيمن] وقد ورد اسم الله المهيمن في القرآن الكريم ضمن مجموعة أسماء في قوله تعالى : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر :23]. ولم يرد المؤمن باعتباره اسما من أسماء الله تعالى إلا في هذا الموضع.
ونحن في هذا العصر الذي سادت فيه هيمنة المخلوقات، وتسببت تلك الهيمنة بأساليبها الخاطئة في إشاعة الفساد والإفساد والخوف من حولنا نحتاج إلى أن نرجع لمعنى اسم الله المهيمن.
والمهيمن ينتمي للقسم الثالث من أقسام أسماء الله الحسنى، فهو يتبع قسم الكمال، وهو اسم من أَسماء الله تعالـى في الكتب القديمة وفي القرآن كما قال ابن منظور. والمهيمن في اللغة يعني الشاهد، وهو من آمن غيرَه من الـخوف، وأَصله أَأْمَنَ. فهو مُؤَامِنٌ، بهمزتـين، قلبت الهمزة الثانـية ياء كراهة اجتماعهما فصار مُؤَيْمِنٌ، ثم صُيِّرت الأُولـى هاء كما قالوا هَراق وأَراق. فهو بمعنى الشاهد، وبمعنى المؤَمِّن من الخوف، وهو كذلك بمعنى القائم على خلقه أي بأمورهم.
فالمهيمن يعني أن الله شهيد يراقب خلقه ويدبر أمورهم ويرعاهم ويقوم على أمرهم، ويجيرهم من الخوف، وما أحسن ما ذكره البيهقي في [شعب الإيمان 1/117] حيث قال : «المهيمن وهو من أسامي الكمال يجمع أوصاف الفضل وينقض أوصاف النقص كأن الكمال الذي لايصح عليه الزوال تدخل فيه الشهادة والحفظ والعطاء والمنع والاختصاص به عن الغير».
ويمكن أن يكون المهيمن من قسم الجمال بمعنى الذي يجير عباده من الخوف، فيلجأ إليه عباده.
ويحدث اسم الله المهيمن في نفس المؤمن من كثير من الآثار الإيمانية الإيجابية، كالثقة بالله والتوكل عليه وعدم الخوف من غيره طالما أنه هو المهيمن على الأمر وهو القائم على أمور عباده، ويحدث له معنى الالتجاء والإنابة إليه دائما لأنه هو الذي يهيمن على الحاضر وعلى المستقبل وإليه المآب. نسأل الله أن يرزقنا كل تلك الآثار الطيبة في قلوبنا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أسماء الله الحسنى التي وردت في القرآن والسنة تمثل الهيكل التربوي للمسلم قال سبحانه وتعالى : ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف : 180]، والأسماء التي وصف الله بها نفسه في كتابه أكثر من 150 اسمًا وقد ورد في السنة أكثر من 160 اسمًا ومجموعهما 220 اسمًا بعد حذف المكرر، وهذه الأسماء والصفات يمكن تقسيمها إلى صفات جمال : كالرحمن والرحيم، والعفو الغفور، وصفات جلال : كالمنتقم الجبار، الشديد المحال، وصفات كمال : كالأول والآخر والظاهر والباطن.
والاسم الذي معنا هذه المرة هو [المؤمن] وقد ورد اسم الله المؤمن في القرآن الكريم ضمن مجموعة أسماء في قوله تعالى : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر :23]. ولم يرد المؤمن باعتباره اسما من أسماء الله تعالى إلا في هذا الموضع
والله المُؤْمِنُ لأنه آمنَ عباده من أن يظلمهم، وأمنهم من الخوف، ولأنه سبحانه يصدق الصادقين المؤمنين على نحو قوله تعالى : ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ [التوبة :61]. وقوله تعالى : ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [المائدة :119].
وعليه فالمؤمن في حق الله من الأمن فهو أمان الخائفين، ومن الصدق فهو الذي يصدق الصادقين ويجزيهم على صدقهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدى إلى البر وإن البر يهدى إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا» [رواه مسلم].
وأيا كان الاشتقاق [الأمن أو الإيمان] فإن هذا الاسم يندرج تحت القسم الأول وهو قسم الجمال، وهو يمثل معادلة لقسم صفات الجلال إذ محصلة صفات الجلال إحداث الخوف من الله في قلب المسلم وبعد حدوث الخوف يحتاج المؤمن إلى أمان الله يؤمنه ويجيره من العذاب، كما ورد في الدعاء الذي سمعه النبي صلى الله عليه وسلم من الخضر، فعن أنس بن مالك قال : خرجت مع رسول صلى الله عليه وسلم في بعض الليالي أحمل له الطهور : «إذ سمع مناديا. فقال يا أنس : صه. فقال : اللهم أعني على ما ينجيني مما خوفتني منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لو قال أختها، فكأن الرجل لقن ما أراد رسول الله. فقال : وارزقني شوق الصادقين إلى ما شوقتهم إليه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : حيا يا أنس، ضع الطهور، وائت هذا المنادي، فقل له أن يدعو لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعينه على ما ابتعثه به، وادع لأمته أن يأخذوا ما أتاهم به نبيهم بالحق...» [رواه الطبراني في الأوسط]. والشاهد قول الداعي : « اللهم أعني على ما ينجيني مما خوفتني منه».
فالله سبحانه وتعالى هو الذي يخوف عباده، إذ الخوف منه من صفات عباده المؤمنين، والخوف من غيره من صفات أولياء الشيطان قال تعالى : ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوَهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران :175]. وقال سبحانه : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر :36]. ويخوف ربنا بذكر جزاء المكذبين في الآخر من النار وأهوالها قال تعالى : ﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر :16].
والله سبحانه وتعالى يؤمن عباده من ذلك الخوف إذا ما رجعوا إليه وكان رجاؤهم فيه سبحانه، فهو يذكرهم بصفاته جماله، قال تعالى : ﴿أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة :218]. وامتدح الله عباده المؤمنين بأن رجائهم فيه وأن غير المؤمنين لا رجاء لهم، فقال تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء :104]، وذم الله الذين لا يرجون لقاءه سبحانه فقال تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ [يونس :7]
والمتأمل في قضية الخوف والرجاء وقبلهما الحب يجد أن هناك علاقة متداخلة ومترابطة بين حب الله والرجاء فيه، والخوف منه من جهة وبين أقسام أسماء الله من حيث الكمال والجمال والكمال من جهة أخرى، فغاية الإيمان أن يمتلأ قلب المسلم بحب الله، ورجاءه، والخوف منه، ولذا فهناك من السلف من مثل الإيمان بطائر رأسه المحبة، وأحد حناحيه الرجاء، والآخر الخوف. وليطير العبد لربه لابد من صحة الرأس والجناحين.
فأسماء الله الحسنى بأقسامها الثلاثة تلتقي وتغذي الإيمان بجوانبه الثلاثة، فقسم الكمال من أسماء الله الحسنى يلتقي مع الحب فيغذيه وينميه وهو رأس الطائر، وقسم الجمال يلتقي مع الرجاء فيغذيه وينميه كذلك وهو أحد جناحي الطائر، وقسم الجلال يلتقي مع الخوف فيغذيه وينميه أيضا وهو الجناح الآخر للطائر.
وحتى يسير العبد لربه بشكل سليم لابد من المحافظة على الاتزان والتوازن فلا يغفل أحد هذه المكونات ولا يغلب أحدها على الآخر.
ويحسن به عند الوقوع في الزلات أن يعلي من جانب الرجاء بقسم الجمال من أسماء الله الحسنى، فإن الله ربط بين الوقوع في الزلل والإسراف على النفس وبين جماله وعفوه وغفرانه فقال : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر :53]، فيساعده ذلك على التوازن، ولذا ترى أهل الله يحذرونا من نقصان الرجاء عند الوقوع في الزلات مما له من أثر سيء في الإياس من الغفران، يقول سيدي ابن عطاء الله السكندري : «من علامات الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل».
ويحسن بالسالك أن يغلب جانب الخوف عند فعل الطاعات، وقد بين لنا ربنا هذا المنهج في كتابه، فقال تعالى : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون :60].
فاسم الله المؤمن من أقسام الجمال، ويلجأ إليه المسلم إذا خاف من عقاب الله أو من عذابه أو من بطش أحد من خلقه، فربنا سبحانه هو القادر على نجدة عبادة ولا مغيث غيره، كما أنه سبحانه وتعالى هو الذي يصدق الصادقين ويثبت بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، وأمرنا سبحانه أن نكون منهم ومعهم، فقال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة :119].
فيحدث الإيمان بالله المؤمن سبحانه استقرارا في القلب بعد اضطراب الخوف، ويحدث توازنا وانشراحا في قلب المسلم، نسأل الله أن يرزقنا حسن الإيمان به، وصدق الإيمان به، إنه ولي ذلك والقادر عليه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
تكلمنا في المقالة السابقة عن اسم الله القدوس، واليوم نتكلم عن اسم الله السلام، وكما علمنا من قبل أن أسماء الله الحسنى تنقسم إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول : هو قسم الجمال مثل الرحمن الرحيم العفو الغفور الرءوف. والقسم الثاني : هو قسم الجلال مثل الجبار المنتقم المتكبر شديد المحال العظيم. والقسم الثالث : هو قسم الكمال، مثل لفظ الجلالة ومثل الأول الآخر، الظاهر الباطن، الضار النافع، المعطي المانع.
وأوضحنا أن علاقة المسلم بهذه الأقسام هي التخلق لقسم الجمال، والتعلق لقسم الجلال، والحب والتصديق لقسم الكمال.
والسلام في حق الله تعني السالم من كل عيب ونقص ينافي كماله وجماله المطلق، وجلاله، فهو الذي يسلم عباده من كل سوء ويحفظهم وينشر عليهم السلامة والأمن في بدنهم وفي بلادهم وفي قلوبهم وأرواحهم.
والسلام من أسماء الله التي تتبع قسم الجمال، والذي علاقة المسلم معه التخلق، على حد قول الصالحين وهم يفسرون قوله تعالى : ﴿كونوا ربانيين ﴾ [آل عمران :79] أي « تخلقوا بأخلاق الله». فالمسلم لابد أن يسلم نفسه ويزكيها من كل النقائص والعيوب، كما أنه لابد أن يسلم الناس من شروره، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» [رواه مسلم]. فالتخلق بالسلام مع النفس ومع الأهل والناس أجمعين يحقق مراد الله على أرضه من نشر الحق والعدل والإيمان.
ويعتقد المسلمون أن السلام قضية متكاملة تحيطهم من كل جانب، فهم يؤمنون بأن السلام اسم خالقهم سبحانه وتعالى، قال سبحانه : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر :23].
ويؤمنون بأن طُرق ربهم وسبله هي طرق السلام وسبله، وأن الله يهدي من اتبع رضاه هذه السبل، قال تعالى : ﴿يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة :16].
ويؤمنون أن الجنة جزاء المؤمنين يوم القيامة هي دار السلام، وموطن السلامة الأبدية من كل خوف وحزن، قال تعالى : ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام :127]. وقال سبحانه : ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس :25].
ويؤمنون أن أعظم ليالي الدهر التي تتنزل فيها الملائكة ويستجاب فيها الدعاء والعبادة فيها خير من عبادة ألف شهر، هي ليلة سلام حتى نهايتها، قال تعالى : ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر :5].
ويؤمنون أن السلام حالة يحتاجها الإنسان في كل وقت وحين، ويشتد احتياجه لها في وقته مولده ووقت موته، ووقت بعثه، ولذا يحكي القرآن عن الأنبياء ومنهم عيسى عليه السلام أنه قال : ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وَلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًا﴾ [مريم :33]، وأكد الله أن المؤمن في وقت الاحتضار يحتاج السلام منه سبحانه ومن الصالحين فقال تعالى : ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ * فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة :90].
ويؤمنون بأن قول السلام يطمئن المؤمنون ويتبعه رحمة الله سبحانه وتعالى، ولذا خاطب ربنا نبيه في القرآن، فقال سبحانه : ﴿فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام :54]
ويعتقد المسلمون كذلك أن السلام بشرى المؤمنين عند الوفاة وتحيتهم في الجنة من الملائكة الكرام، قال تعالى : ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل :32]. بل إنهم لا يسمعون في الجنة إلا السلام، قال تعالى : ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلاَّ سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًا﴾ [مريم :62]، كما إنهم يعتقدون أن السلام هو تحيتهم عند لقاء السلام سبحانه وتعالى : ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب :44]. وقال تعالى : ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [يونس :10]. وقال سبحانه وتعالى : ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد :23]. وقال تعالى : ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إبراهيم :23]. وقال سبحانه ﴿إِنَّ المُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر :45].
كما أن السلام هو تحية الأنبياء والملائكة في الحياة الدنيا : ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود :69].
ويعتقد المسلمون أن الصبر على الأذى والدعاء بالسلامة لمن يجهل عليهم هو السلوك القويم، والخلق العالي، يقول سبحانه : ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان :63]، فهم دائما يعفون ويصفحون ويسالمون الناس، اقتداء بنبيهم حيث أمره ربه بذلك فقال تعالى : ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف :89].
كما أنهم يعتقدون أن السلام هي الكلمة الأخيرة التي يختم المسلمون صلاتهم وهم يعتقدون أنهم عندما يختمون الصلاة يواجهون الحياة، فكأنهم يواجهنا أول ما يواجهنا به بالسلام.
والسلام عندهم ضد الحرب، وهناك دعوة صريحة واضحة في القرآن الكريم في شأن أولئك الذين يعتدون على الناس وعلى المسلمين يقول فيها القرآن الكريم ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الأنفال :61]. وهناك دعوة صريحة في القرآن الكريم يقول فيها الله سبحانه وتعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِى السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة :208] وهي آية تدل على أن السلام من الرحمن وأن ضده من الشيطان.
واليهود يحسدوننا على السلام كلمة نفشيها فيما بيننا وفيما بيننا وبين العالمين، فعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت : (بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم إِذِ اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ فَأَذِنَ لَهُ فَقَالَ السَّامُ يا محمد فقال : النبي صلى الله عليه وسلم وعليك. فقالت عائشة : فهممت أن أتكلم فعلمت كراهية النبي صلى الله عليه وسلم لذلك فسكت. ثم دخل آخر فقال: السام عليك. فقال : وعليك. فهممت أن أتكلم فعلمت كراهية النبي صلى الله عليه وسلم لذلك. ثم دخل الثالث فقال : السام عليك. فلم أصبر حتى قلت : وعليك السام وغضب الله ولعنته إخوان القردة والخنازير أتحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لم يحيه الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش قالوا قولا فرددنا عليهم إن اليهود قوم حسد وهم لا يحسدونا على شيء كما يحسدونا على السلام وعلى آمين ». [رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي واللفظ لابن خزيمة].
فالسلام في الإسلام قضية عقائدية سلوكية تعبدية تحيط بالمسلمين في كل حياتهم، ومما يشاع عن الإسلام بغرض الإساءة إليه في هذه الأيام أنه دين إرهاب أو قتل، ويحاولون جاهدين أن يلصقوا الأعمال الإجرامية بتعاليم ذلك الدين السمح.
رغم أن الإسلام نظر إلى الآخر (أو لغير المسلم) منذ نشأته الأولى نظرة تكامل وتعاون، وكيف لا وكان الآخر في أول الدعوة الإسلامية هو مجموع البشر إلا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف لدين لا يقوم على التسامح والتعاون ينتشر هذا الانتشار الرهيب الملحوظ في سنوات معدودة بين العرب ويستمر عبر القرون، ويقود الإنسانية بأسرها قروناً عدة إلى فضائل الأخلاق وتعمير الأرض ؟
وقد وضع الإسلام قواعد واضحة للعائلة البشرية؛ حيث أعلن أن الناس جميعاً خلقوا من نفس واحدة، مما يعني وحدة الأصل الإنساني، فقد قال الله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِه وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبا ًً﴾ [النساء : 1]، والناس جميعاً في نظر الإسلام هم أبناء تلك العائلة الإنسانية، وكلهم له الحق في العيش والكرامة دون استثناء أو تمييز، فالإنسان مكرم في نظر القرآن الكريم، دون النظر إلى دينه، أو لونه، أو جنسه، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا ﴾ [الإسراء :70].
ودستور الإسلام في التعامل مع غير المسلمين يتلخص في قوله تعالى : ﴿ لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة : 8] ، فالآية واضحة في أننا نحن المسلمين عندما لا يريد الآخرون أن ينضموا إلى مدرسة الإسلام، فعلينا صلتهم، والعدل معهم، ومعاملتهم المعاملة الطيبة، بناءً على مبدأ الاحترام المتبادل، والعلاقات الإنسانية والمصالح المشتركة.
فالإسلام دين سلام ولم ينتشر بالسيف والقتال، نصوصه تشهد بذلك، وتعاليمه تؤكد ذلك، وخير شاهد تقتنع به عقول غير المسلمين هي شاهد التاريخ، فإن تتبع انتشار الإسلام في أهم أقطاره تؤكد تلك الحقيقة.
في المائة عام الأولى من الهجرة كانت نسبة انتشار الإسلام في غير الجزيرة كالآتي ففي فارس (إيران) كانت نسبة المسلمين فيها هي 5% وفي العراق 3% وفي سورية 2% وفي مصر 2% وفي الأندلس أقل من 1%
أما السنوات التي وصلت النسبة المسلمين فيها إلى 25% من السكان فهي كالآتي:ـ
إيران سنة 185 هـ ـ العراق سنة 225 هـ ـ سورية 275 هـ ـ مصر 275 هـ ـ الأندلس سنة 295هـ
والسنوات التي وصلت نسبتهم فيها إلى 50% من السكان كانت كالآتي :
بلاد فارس 235 هـ ـ والعراق 280 هـ ـ وسورية 330 هـ ـ ومصر 330هـ والأندلس 355 هـ
أما السنوات التي وصلت نسبة المسلمين فيها إلى 75% من السكان كانت كالآتي
بلاد فارس 280 هـ ـ والعراق 320 هـ ـ وسورية 385 هـ ـ ومصر 385 هـ والأندلس سنة 400 هـ.
فالله هو السلام، وديننا دين السلام، والمسلمون هم دعاة السلام، وينادون في كل المحافل الدولية في عصرنا الحديث بالسلام القائم على العدل، سلمنا الله من كل سوء وسلم أوطاننا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
علمنا أن أسماء الله الحسنى تنقسم إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول : هو قسم الجمال مثل الرحمن الرحيم العفو الغفور الرءوف. والقسم الثاني : هو قسم الجلال مثل الجبار المنتقم المتكبر شديد المحال العظيم. والقسم الثالث : مثل لفظ الجلالة ومثل الأول الآخر، الظاهر الباطن، الضار النافع، المعطي المانع.
وعلاقة الإنسان بكل قسم من هذه الأقسام تختلف، فبالنسبة لقسم الجمال العلاقة هي التخلق، على حد قول الصالحين وهم يفسرون قوله تعالى : ﴿كونوا ربانيين ﴾ [آل عمران :79] أي « تخلقوا بأخلاق الله» وهي مقولة شاعت على ألسنة الصالحين، وليست بحديث نبوي كما توهمه بعضهم، وفضل بعض العلماء أن نقول تعبدوا بأخلاق الله، بدلا من تخلقوا؛ لأن الإنسان إذا أراد الثواب والرضا من الله فإنه لابد وأن يحسن النية وأن يفعل هذا لوجه الله مخلصا له الدين، قال تعالى : ﴿مخلصين له الدين﴾ [البينة :5] وقال صلى الله عليه وسلم : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» [رواه البخاري ومسلم].
أما التعامل مع القسم الثاني، وهو قسم الجلال فيكون بالتعلق حيث نهانا الله عن التكبر، والتعظم، وقال في الحديث القدسي العظمة : «العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار» [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه]. أما التعامل مع القسم الثالث، وهو الكمال فذلك يكون بالإيمان والتصديق.
والاسم الذي معنا هذه المرة هو اسم الله «القدوس» وهو المنزه عن كل النقائص، والُمطهر عن كل ما لا يليق بذاته العالية، وهو لغة من التقديس أي التطهير، والقدس بسكون الدال وضمها تعني الطهر، والقداسة تعني الطهر والبركة، وقدَّس لله بالتشديد أي طهر نفسه بعبادته وطاعته وعظمه، ومنه قول الملائكة لربهم : ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة :30].
فالله القدوس : أي الطاهر المنزه عن كل ما يليق به من نقائص، فهو المتصف بكل صفات الكمال والجمال والجلال، ولا يتصف بغير تلك الصفات.
وقد ورد هذا الاسم في الكتاب العزيز في موضعين، الموضع الأول في سورة الحشر قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر :23].
والموضع الثاني في سورة الجمعة، قال سبحانه : ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [ الجمعة :1].
واسم الله القدوس يمكن أن نعتبره من القسم الأول من الأسماء الحسنى، أي إنه من قسم الجمال الذي يتعامل المسلم معه بالتخلق والتحلي، فالمسلم مطالب بالتقدس أي التطهر، وقد درج الفقهاء والمحدثون على افتتاح كتبهم بكتاب الطهارة، والطهارة : في اللغة هي النظافة. والله سبحانه وتعالى يحب النظافة، ويحب الجمال، ويحب التطهر وأمر عباده بالتطهر الدائم والمستمر من الأدران الظاهرة والباطنة، لأن المسلم دائما يراقب قلبه ويطهره لله، كما يراقب بدنه وثوبه ويطهره، والمسلم عن قلبه الطاهر المتطهر بمظهره، قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة :222]
وأما الطهارة عند الفقهاء فلها معنى زائد عن المعنى اللغوي فيعرفونها بأنها : فعل ما يجعل الإنسان قادرًا على أداء الصلاة كالوضوء، والغسل والتيمم وإزالة النجاسة. وقد استنبط العلماء ذلك التعريف من قول النبي صلى الله عليه وسلم : « لا تقبل صلاة بغير طهور » [رواه البخاري ومسلم]، وقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الطهارة نصف الإيمان حيث قال : « الطهور شطر الإيمان » [أحمد ومسلم والترمذي].
وطهارة البدن التي عرفها الفقهاء ليست هي كل الطهارة، بل وليست هي أهم أنواع الطهارة التي أرادها الله من عباده، ولذلك نرى الغزالي في الأحياء يتكلم عن تلك الأنواع فيقول: «الطهور أربعة أنواع، طهارة البدن من الحدث والخبث، وطهارة الجوارح من المعاصي والآثام، وطهارة النفس من الصفات المذمومة، وطهارة القلب مما سوى الله» .
فطهارة القلب وهي الأهم تعني أن يخلو القلب من السوى، وهو كل ما سوى الله، فالقلب بيت الرب، قال تعالى : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب :4] ، وطهارة النفس أن تخلو من الصفات المذمومة كالبخل والحسد والحقد والضغينة والكبر والأثرة.
أما طهارة الجوارح من المعاصي فكل جارحة بحسب طبيعتها وما يجب عليها، فالعين طهارتها ألا تنظر إلى ما حرم الله أن يُنظر إليه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : «عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ، عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . [رواه الترمذي]
والعلماء قالوا : ما حرُم فعله حرُم استماعه، وما حرُم استماعه حرُم النظر إليه! طهارة الأذن ألا تستمع بها ما حرم الله أن تستمع إليه من كذب وغيبة ونميمة وكفر وإلحاد، وطهارة اللسان ألا ينطق بالغيبة، ولا بالنميم ، ولا بالكذب ، ولا بالفحش، ولا باللعن ، ولا بالإيقاع بين الناس .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ ، عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ، وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ ، حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ ، وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» [رواه أحمد] .
فالله طلب من المؤمن التقدس والتطهر على كل المستويات، فعلى مستوى الظاهر قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر :4، 5]، وقال لنبيه إبراهيم عليه السلام : ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج :26].
كما أوضح لنا ربنا أن تشريعاته جاءت لتطهير القلب والنفس، قال تعالى : ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة :232] ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب :53]. وقال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المجادلة :12].
ما سبق يوضح لنا أن اسم الله القدوس ينشئ مدرسة تربوية يتربى فيها المسلم ويتطهر من أمراض القلب وخبث النفس، وينظف باطنه قبل ظاهره، فهو اسم من قسم الجمال.
كما يمكن أن ننظر لاسم الله القدوس على اعتباره من قسم الكمال، فيتعامل المسلم معه بالحب والإيمان فبعلمه أنه سبحانه هو القدوس تميل نفسه إليه، ويتعلق قلبه به سبحانه وتعالى حيث يعلم أن الحق عز وجل مبرأ من كل عيب أو نقص يتعارض مع كماله المطلق، فالكمال المطلق للحق تبارك وتعالى يقتضي كمال صفاته العلية، وهذا يعني أن جميع صفات الله عز وجل مطلقة.
فنعلم أنه اسمه القدوس يقتضي أنه مطهر عن النقص والعجز في الصفات، وكون جميع صفاته مطلقة، أي تبلغ منتهى الكمال في الوصف، فرحمته مطلقة وعلمه مطلق، وحكمته مطلقة وسمعه مطلق، وعزته مطلقة وعدله مطلق، وهكذا شأن جميع صفاته تبارك وتعالى.
نسأل الله الطهر والعفاف والغنى، وأن نكون من المقدسين له في كل وقت وحين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.